بروفايل I رولان ليسكور: من خبير إلى وزير مالية فرنسا المأزومة
وزير المالية الفرنسي الجديد رولان ليسكور (إكس)
في خطوة تعكس محاولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لإعادة التوازن إلى حكومته وسط أزمة سياسية واقتصادية متفاقمة، عُيّن رولان ليسكور وزيرًا جديدًا للمالية في حكومة رئيس الوزراء الجديد سيباستيان لوكورنو. يأتي هذا التعيين في وقت حساس، حيث تواجه فرنسا تحديات مالية ضخمة، أبرزها تمرير ميزانية عام 2026 في برلمان منقسم، وسط تصاعد الضغوط من المعارضة والشارع الفرنسي.
من هو رولان ليسكور؟
ولد ليسكور في باريس عام 1966، ونشأ في بيئة يسارية ملتزمة؛ فوالده كان صحافيًا في صحيفة L’Humanité الشيوعية، ووالدته نقابية في هيئة النقل الباريسية. تلقى تعليمه في نخبة المؤسسات الأكاديمية الفرنسية، منها École Polytechnique وENSAE ParisTech، قبل أن يحصل على درجة الماجستير في الاقتصاد من London School of Economics.
بدأ مسيرته المهنية في القطاع العام الفرنسي، ثم انتقل إلى كندا حيث شغل منصب المدير التنفيذي للاستثمارات في صندوق Caisse de dépôt et placement du Québec، أحد أكبر صناديق الاستثمار العامة في العالم. عاد إلى فرنسا عام 2017 ليخوض غمار السياسة ضمن حركة ماكرون "الجمهورية إلى الأمام"، وانتُخب نائبًا عن الفرنسيين في أميركا الشمالية، ثم تولّى رئاسة لجنة الشؤون الاقتصادية في الجمعية الوطنية، قبل أن يُعيّن وزيرًا مفوّضًا للصناعة عام 2022.
تحديات المنصب الجديد
يتسلّم ليسكور حقيبة المالية في وقت تواجه فيه فرنسا أكبر عجز مالي في منطقة اليورو، يُقدّر بنحو 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025، مع دين عام يتجاوز 3.3 تريليون يورو. وقد تعهّدت الحكومة بخفض العجز إلى 4.6% في 2026، ثم إلى أقل من 3% بحلول 2029، وفقًا لمعايير الاتحاد الأوروبي.
لكن تنفيذ هذه الأهداف يتطلب تمرير ميزانية تقشفية تشمل تجميد الإنفاق العام، تقليص الوظائف في القطاع المدني، إلغاء عطلتين رسميتين، وفرض ضرائب جديدة على أصحاب الدخل المرتفع. هذه الإجراءات تواجه رفضًا واسعًا من المعارضة اليسارية واليمينية، التي تهدد بإسقاط الحكومة عبر تصويت بحجب الثقة.
الرهانات السياسية والاقتصادية
يُعد ليسكور خيارًا استراتيجيًا لماكرون، نظرًا لخلفيته الاقتصادية وصلاته باليسار المعتدل، إذ سبق له الانضمام إلى الحزب الاشتراكي دعمًا لحملة دومينيك ستراوس-كان الرئاسية في 2007. ويُعوّل عليه في كسب دعم الاشتراكيين لتمرير الميزانية، خصوصًا بعد اقتراحه فرض ضريبة ثروة انتقائية لا تشمل أصول الشركات، في محاولة لطمأنة القطاع الخاص.
لكن ليسكور يواجه معضلة مزدوجة: إرضاء المعارضة اليسارية التي تطالب بإلغاء إصلاحات التقاعد وزيادة الإنفاق الاجتماعي، وفي الوقت نفسه الحفاظ على إرث ماكرون الاقتصادي المؤيد لقطاع الأعمال. كما أن عليه التعامل مع اليمين المتطرف، الذي وصف الحكومة الجديدة بأنها "استمرار للماضي" وهدّد بالتصعيد السياسي.
اختبار حاسم في مسيرة ليسكور
رولان ليسكور لا يدخل وزارة المالية من باب التكنوقراط فحسب، بل من بوابة السياسة المتشابكة في بلد يعيش أزمة تمثيل برلماني وانقسامًا حادًا بين القوى السياسية. نجاحه في تمرير ميزانية 2026 سيكون اختبارًا حاسمًا ليس فقط لكفاءته الاقتصادية، بل لقدراته التفاوضية والسياسية في بيئة مشحونة، حيث كل خطوة محسوبة، وكل تنازل قد يُكلّف الحكومة وجودها.
