Contact Us
Ektisadi.com
اقتصاد

دافوس 2026 | كيف أعادت أوروبا وكندا رسم خرائط الاقتصاد والأمن والسياسة في مواجهة ترامب

ترامب وزعماء العالم المعارضين لخططه في منتدى دافوس - صورة إبداعية -سبين

المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) 2026 الذي يختتم فعالياته في دافوس اليوم الجمعة، بعد جلسات متتالية منذ الإثنين الفائت، لم يكن حتى الآن مناسبة للنقاش النظري أو استعراض النيات الحسنة، بل تحوّل إلى مساحة اعتراف جماعي بأن العالم دخل مرحلة مختلفة جذريًا. عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأميركي، بما تحمله من أحادية اقتصادية وسياسية وأمنية، دفعت قادة أوروبا وكندا إلى التخلي عن اللغة الدبلوماسية الناعمة، والبدء بصياغة بدائل واقعية لعالم لم يعد مضمون القواعد.

هذا التقرير الخاص يرصد، بتحليل معمّق، كيف حاول رئيس وزراء كندا مارك كارني وزعماء أوروبا، من منصة دافوس، إعادة تعريف مفاهيم الاقتصاد، الأمن، والتحالفات الدولية، وما الذي يعنيه ذلك لدول الهامش، وفي مقدّمها لبنان.

دافوس 2026: العالم يعيد التفكير في الاقتصاد تحت ضغط ترامب

ليس منتدى دافوس 2026 حدثًا اقتصاديًا تقليديًا، بل محطة سياسية–اقتصادية فاصلة عكست إدراكًا متزايدًا بأن النظام العالمي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة لم يعد قادرًا على إدارة الصدمات المتراكمة. عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأميركي أعادت إحياء سياسات الأحادية، والرسوم الجمركية، وتسليح التجارة والعملة، ما دفع قادة أوروبا وكندا إلى طرح مقاربات بديلة لا تقوم على المواجهة المباشرة، بل على إعادة هندسة القواعد نفسها.

في صلب هذه المقاربات، برز تحول واضح من منطق "الكفاءة القصوى" الذي حكم العولمة لعقود، إلى منطق "المرونة الاستراتيجية". لم يعد السؤال: كيف ننتج بأقل كلفة؟ بل: كيف نضمن الاستمرارية في عالم مليء بالاضطرابات الجيوسياسية والمناخية والمالية.

مارك كارني، بصفته أحد أبرز العقول الاقتصادية في الغرب، عبّر عن هذا التحول بوضوح حين دعا إلى تنويع سلاسل التوريد، وتحييد التجارة عن الابتزاز السياسي، وربط الاستثمار بالاستقرار طويل الأمد لا بالمكاسب السريعة. أما الأوروبيون، فشدّدوا على ضرورة بناء سيادة اقتصادية منظمة لا تعني الانفصال عن الولايات المتحدة، بل تقليص الاعتماد الأحادي عليها.

بهذا المعنى، شكّل دافوس 2026 إعلانًا غير رسمي عن نهاية مرحلة، وبداية بحث حذر عن نموذج اقتصادي عالمي جديد، أقل ثقة بالمركز الواحد، وأكثر استعدادًا لتعدد الأقطاب.

من المظلة الأميركية إلى الأمن المشترك: دافوس واختبار ما بعد الاعتماد

أحد أكثر التحولات عمقًا في دافوس 2026 تمثّل في الخطاب الأمني. إذ للمرة الأولى منذ عقود، تحدث القادة الأوروبيون علنًا عن احتمال غياب المظلة الأميركية أو تحوّلها إلى أداة ضغط سياسية. تصريحات ترامب السابقة حول حلف شمال الأطلسي، والإنفاق الدفاعي، وحتى السيادة على مناطق حساسة، فرضت إعادة تقييم شاملة.

الطرح الأوروبي لم يذهب نحو القطيعة مع واشنطن، بل نحو بناء قدرة ذاتية مكمّلة: زيادة الإنفاق الدفاعي، تعزيز الصناعات العسكرية الأوروبية، وتطوير آليات تنسيق أمني داخل الاتحاد الأوروبي. الهدف المعلن هو تقليل الهشاشة، لا استبدال التحالفات.

مارك كارني وسّع النقاش أكثر، معتبرًا أن الأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد عسكريًا فقط. الأمن بات يشمل الطاقة، الغذاء، المناخ، التكنولوجيا والاستقرار المالي. ومن هذا المنطلق، رأى أن السياسات الأحادية، مهما بدت قوية على المدى القصير، تُضعف الأمن الجماعي على المدى الطويل.

دافوس هنا لم يكن منتدى تنظير، بل مساحة اعتراف بأن مرحلة "الأمن المستعار" تقترب من نهايتها، وأن على أوروبا وشركائها تحمّل كلفة أكبر في حماية مصالحهم.

القوى الوسطى في الواجهة: محاولة أخيرة لإنقاذ النظام الدولي

سياسيًا، كشف دافوس 2026 عن إدراك واسع بأن العالم يدخل مرحلة استقطاب حاد بين قوى كبرى، وأن ترك الساحة لهذا الصراع يحمل مخاطر جسيمة. من هنا جاءت دعوة مارك كارني الصريحة لما سماه "القوى الوسطى" – أوروبا، كندا، اليابان، أستراليا – للعب دور فاعل في صياغة القواعد بدل الاكتفاء بردّ الفعل.

هذا الطرح لا يستهدف واشنطن وحدها، بل يرفض اختزال النظام الدولي في ثنائية أميركية–صينية. كارني شدد على أن التحالفات المستقبلية يجب أن تكون مرنة وموضوعية، تُبنى حسب القضايا لا حسب الاصطفافات الأيديولوجية الجامدة.

أوروبيًا، ترافق هذا الطرح مع تأكيد على دور القانون الدولي كأداة سياسية، في مواجهة منطق الصفقات القسرية وسياسة القوة. الرسالة الأساسية كانت أن تفكيك القواعد سيضر بالجميع، بما في ذلك القوى الكبرى نفسها.

دافوس 2026 لم يقدّم بديلًا جاهزًا للنظام الدولي، لكنه أطلق نقاشًا جديًا حول كيفية تجنب الانزلاق إلى عالم تحكمه الغلبة وحدها.

ماكرون في دافوس: الاستقلال دون القطيعة

خطاب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في دافوس 2026 اتسم ببرودة محسوبة. لم يهاجم ترامب، لكنه وضع خطوطًا حمراء واضحة: السيادة الأوروبية، احترام القانون الدولي، ورفض الإملاءات الأحادية. ماكرون دعا إلى "استقلال استراتيجي" لا يعني الانعزال، بل امتلاك القدرة على الاختيار.

اقتصاديًا، ركز على حماية الصناعات الأوروبية الحيوية من دون الانزلاق إلى حمائية تقليدية. أمنيًا، شدد على ضرورة تحمّل أوروبا مسؤولية أكبر داخل الناتو، تحسّبًا لتقلّب الموقف الأميركي. سياسيًا، أعاد التأكيد على أن أوروبا لن تكون ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.

دافوس 2026: العالم لا يثور على ترامب… بل يتكيّف معه

من يقرأ مداخلات دافوس 2026 بعين سياسية باردة، يدرك أن قادة أوروبا وكندا لا يسعون إلى مواجهة دونالد ترامب، بل إلى التكيّف مع واقع أن الولايات المتحدة لم تعد راغبة في لعب دور الضامن العالمي بلا شروط.

مارك كارني لم يهاجم ترامب، بل فكّك المنطق الذي تقوده سياساته: عالم تحكمه الصفقات، تُدار فيه التجارة كسلاح، ويُختزل الأمن بالقوة الصلبة. في المقابل، اقترح مسارًا أقل صخبًا وأكثر تعقيدًا: بناء مرونة جماعية، تنويع الشراكات، وتخفيف الاعتماد على مركز واحد للقرار.

العالم لا ينقلب على أميركا، لكنه يتعلّم كيف يعيش مع أميركا أقل التزامًا، وأكثر براغماتية.

ماذا قد يعني دافوس 2026 للبنان؟

بالنسبة للبنان الذي شارك رئيس وزرائه نواف سلام في فعاليات المنتدى، تحمل خلاصات دافوس 2026 رسائل غير مريحة. ففي عالم ينشغل بإعادة ترتيب الاقتصاد والأمن بين القوى الكبرى، تتراجع أولوية إنقاذ الدول المنهكة. التركيز الدولي بات على منع الانهيارات الكبرى لا معالجة الأزمات المزمنة.

لبنان، في هذا السياق، لم يعد ملفًا عاجلًا بل حالة مؤجلة. المساعدات المشروطة، الضغوط المالية، وأدوات العقوبات ستبقى الوسيلة الأساسية للتعامل معه. الفرصة الوحيدة المتبقية تكمن في إصلاح داخلي حقيقي يسمح له بالاندماج في الاقتصاد الإقليمي الجديد بدل البقاء ساحة تجاذب.

دافوس 2026 يقول للبنان بوضوح: العالم تغيّر، ومن لا يغيّر نفسه سيُترك على الهامش.

ماذا في ختام المنتدى الاقصادي العالمي اليوم الجمعة؟

وسيشهد اليوم الجمعة جلسات أبرزها واحدة محورية تهدف إلى تبني أولويات العمل الجماعي للعام الجاري، وتقديم استنتاجات النهضة الاقتصادية، التجارة، التحوّلات الرقمية، والاستدامة إلى المشاركين.

كما يتضمن اليوم الأخير النشاط الختامي لمركز المناخ في المنتدى، ويشمل عروضًا، حوارات حول القيادة التحوّلية، العدالة المناخية، والتعلم الجماعي، بالإضافة إلى عرض فيلم تحفيزي ونقاشات ملهمة تدعو إلى العمل الجماعي لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين.

وبحلول نهاية اليوم الجمعة، من المقرر أن تُعلن توصيات المنتدى عن أهم الأطر الاستراتيجية والتعاونيات الدولية التي اقترحها المشاركون لتوجيه السياسات في مجالات الاقتصاد، الأمن، الطاقة، التكنولوجيا، والاستدامة للعام 2026 وما بعده.