نفوذ الصين النفطي في فنزويلا على المحك

عندما طردت فنزويلا شركات النفط الأميركية في إطار حملة تأميم قبل نحو عقدين، سارعت الصين إلى ملء الفراغ. غير أن هذا النفوذ الصيني بات اليوم موضع شك، في ظل عودة الولايات المتحدة لفرض نفوذها على قطاع النفط الفنزويلي، وفق ما أفادت وول ستريت جورنال يوم الجمعة.
وتحتفظ شركات نفط صينية مملوكة للدولة بحقوق ومطالبات تتجاوز 4 مليارات برميل من النفط الفنزويلي، أي ما يقارب خمسة أضعاف احتياطيات الشركة الأميركية الكبرى الوحيدة التي لا تزال تنتج في البلاد، وهي شيفرون. وعلى مدى سنوات، منحت اتفاقيات الإنتاج والمنصات النفطية وترتيبات الإمداد المرتبطة بالديون بكين نفوذًا واسعًا داخل فنزويلا، إلا أن هذا النفوذ بات اليوم خاضعًا لتوجهات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحسب وول ستريت جورنال.
وتوسّعت المطالبات الصينية عقب حملة التأميم التي أطلقتها فنزويلا عام 2007، والتي أدت إلى خروج شركتي إكسون موبيل وكونوكو فيليبس من البلاد. وفي أعقاب ذلك، برزت الصين سريعًا كمموّل رئيسي ومورّد للمعدات وشريك سياسي لكراكاس، في ما وصفته الحكومة الفنزويلية آنذاك بـ«الأخوّة الحديدية»، وهو تحالف وفّر لها حصانة نسبية من الضغوط الأميركية لسنوات طويلة.
وبعد الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مطلع هذا الشهر، رحّب الرئيس ترامب باستمرار شراء الصين للنفط الفنزويلي، شرط أن يتم ذلك وفق أسعار السوق. وخلال السنوات الأخيرة، كان معظم الإنتاج المحدود لفنزويلا يتجه إلى الصين عبر صفقات غير رسمية وبخصومات حادة، نتيجة العقوبات التي قلّصت قاعدة المشترين العالميين.
لكن ترامب لم يوضح حتى الآن موقفه من الوجود الصيني الاستراتيجي الأعمق في قطاع النفط الفنزويلي، سواء بصفتها منتجًا مباشرًا أو مالكًا لحقوق في مكامن نفطية لا تزال تحت الأرض، بعضها يقع بمحاذاة مناطق كانت قد انتُزعت سابقًا من شركات أميركية، بحسب وول ستريت جورنال.
من جانبها، قالت السفارة الصينية في واشنطن إن أصول بكين في فنزويلا تخضع للقانون الدولي وتعود بالنفع على البلدين، مؤكدة أن الصين «ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة». ولم تصدر أي تعليقات عن شركات النفط الصينية، كما رفض البيت الأبيض ووزارة الطاقة الأميركية التعليق على الإنتاج النفطي الصيني في فنزويلا.
وقالت إيريكا داونز، الخبيرة في سياسات الطاقة الصينية بجامعة كولومبيا: «مستقبل شركات النفط الصينية في قطاع النفط الفنزويلي بات غير محسوم».
ورغم أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم، متقدمة على السعودية، فإن نفطها الثقيل، خصوصًا في مناطق مثل حزام أورينوكو، يُعد مكلفًا وصعب الاستخراج من الناحية التقنية.
وفي حديثه عن الوجود الصيني في فنزويلا هذا الشهر، قال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إن استراتيجية الأمن القومي الأميركية تهدف إلى «حرمان المنافسين من خارج نصف الكرة الغربي من السيطرة على أصول حيوية في المنطقة»، مضيفًا: «لا يمكن الاستمرار في ترك أكبر احتياطيات نفطية في العالم تحت سيطرة خصوم الولايات المتحدة»، وذلك في مقابلة مع برنامج Meet the Press في الرابع من كانون الثاني/يناير.
غير أن مساعي واشنطن لتقليص النفوذ الصيني قد تتعارض مع أولويات أخرى لإدارة ترامب، في مقدمتها إعادة تنشيط الاقتصاد الفنزويلي المعتمد على النفط، إضافة إلى حرص الرئيس الأميركي على الحفاظ على علاقة عمل مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، قبيل قمة مرتقبة في بكين خلال نيسان/أبريل.
وفي هذا السياق، أبدى مسؤولون تنفيذيون في شركات نفط أميركية فتورًا تجاه دعوة ترامب لاستثمار 100 مليار دولار لإعادة بناء قطاع الطاقة الفنزويلي، حيث وصف الرئيس التنفيذي لشركة إكسون موبيل دارين وودز البلاد بأنها «غير قابلة للاستثمار في وضعها الحالي».
سيادة النفط
في عام 2007، وقف الزعيم الفنزويلي الراحل هوغو تشافيز تحت لافتة كُتب عليها «السيادة النفطية الكاملة… الطريق إلى الاشتراكية»، في وقت كانت فيه الصين في أمسّ الحاجة إلى تأمين إمدادات الطاقة. ومع رفض إكسون موبيل وكونوكو فيليبس التخلي عن السيطرة على الحقول التي طورتها، اغتنمت بكين الفرصة للدخول بقوة.
وفي تلك المرحلة، كان الاقتصاد الصيني يشهد نموًا محمومًا ويتجه ليصبح الأكبر عالميًا في استهلاك الطاقة، ما دفع بكين إلى السعي المحموم لتأمين ما وصفته بـ«أمن الطاقة».
وبعد انسحاب إكسون من عملياتها في حزام أورينوكو قرب الأمازون، دخلت شركة CNPC الصينية المملوكة للدولة في شراكة أقلية مع شركة النفط الوطنية الفنزويلية PdVSA ضمن مشروع «سينوفينسا»، الذي أصبح اليوم أكبر قاعدة إنتاج صينية في فنزويلا. كما حصلت شركة سينوبك على امتيازات بحرية في خليج باريا، قرب مناطق كانت تديرها كونوكو فيليبس سابقًا.
ووفق أبحاث صادرة عن وود ماكنزي ومورغان ستانلي للأبحاث، تمتلك شركتا سينوبك وCNPC، عبر مشروعاتهما المشتركة مع PdVSA، حقوقًا تقدّر بنحو 4.4 مليارات برميل من النفط، مقارنة بنحو 900 مليون برميل فقط لشيفرون.
ورغم حجم هذه الحقوق، لا تزال الصين منتجًا ثانويًا مقارنة بشيفرون، إذ لا تتجاوز مساهمتها 15% من الإنتاج الفنزويلي الذي يقل حاليًا عن مليون برميل يوميًا. كما أن بعض الأصول الصينية الرئيسية لا تزال متوقفة عن العمل، في ظل تدهور أداء PdVSA خلال فترة حكم مادورو، ما أدى إلى تراجع الإنتاج اليومي من أكثر من 3 ملايين برميل في التسعينيات.
وقبيل الإطاحة بمادورو في الثالث من كانون الثاني/يناير، كانت الصين تستورد بشكل غير مباشر أكثر من 80% من صادرات النفط الفنزويلي، مستفيدة من أسعار منخفضة للغاية بفعل العقوبات.
ورغم أن التدخل الأميركي عطّل هذه التدفقات إلى جانب نشاط أسطول ناقلات الظل، فإن تأثير ذلك على الصين بقي محدودًا، نظرًا لأن النفط الفنزويلي لا يمثل سوى نسبة أحادية الرقم من وارداتها اليومية البالغة نحو 11 مليون برميل.
رسائل متضاربة
ما قد يثير القلق في بكين هو سعي ترامب لفرض سيطرة أميركية على العائدات الناتجة عن صادرات النفط الفنزويلي، خصوصًا إذا أدت أي آلية بيع جديدة إلى تفكيك نظام «النفط مقابل تخفيف الديون» الذي حكم التجارة بين الصين وفنزويلا لسنوات. إذ لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما لا يقل عن 10 مليارات دولار، باعتبارها أكبر دائن لها.
وفي الوقت نفسه، ترسل بكين رسائل متضاربة بشأن استمرارها في الإنتاج داخل فنزويلا، خصوصًا أنها باتت تمتلك اليوم شبكة واسعة من موردي الطاقة الموثوقين، مثل روسيا والسعودية، فضلًا عن توقع بلوغ الطلب الصيني على النفط ذروته خلال هذا العقد مع توسع استخدام السيارات الكهربائية.
وفي شباط/فبراير الماضي، توصلت سينوبك إلى اتفاق لبيع أصول فنزويلية مهمة إلى مستثمر أميركي هو Amos Global Energy Management، التي يديرها مسؤول سابق في شيفرون. ولم تفصح الشركة عن تفاصيل الصفقة المتعلقة بأصول خليج باريا.
كما دخلت شركات صينية صغيرة خلال السنوات الأخيرة في صفقات إنتاج داخل فنزويلا، من بينها شركة قامت قبل أشهر بإدخال منصة حفر متطورة إلى بحيرة ماراكايبو، إحدى أهم مناطق الإنتاج. وأظهرت بيانات الجمارك الصينية ارتفاعًا ملحوظًا في صادرات معدات قطاع النفط إلى فنزويلا العام الماضي، شملت أنابيب فولاذية وقطع غيار للمنصات.
وقال بارسيفال ديسولا ألفارادو، مدير مركز أبحاث الصين وأميركا اللاتينية في مؤسسة أندريس بيو في بوغوتا: «لا أرى الولايات المتحدة تدفع الصين للخروج من فنزويلا بالكامل».




