Contact Us
Ektisadi.com
تكنولوجيا

أوروبا تبحث فك الارتباط التكنولوجي مع أميركا

الارتباط التكنولوجي (Ai)

أدت تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة إلى دفع أوروبا نحو إعادة إحياء نقاش كان يُعد حتى وقت قريب شبه مستحيل: التحرر من الاعتماد على التكنولوجيا الأميركية والانتقال إلى بدائل أوروبية محلية، بحسب ما أفادت وول ستريت جورنال يوم الجمعة.

ورغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تراجع هذا الأسبوع عن تهديده باستخدام القوة للسيطرة على غرينلاند، فإن مجرد طرح احتمال صراع عسكري مع حلفاء أوروبيين أعاد الزخم إلى نقاشات أوروبية قديمة حول مخاطر الاعتماد المفرط على البنية التحتية التكنولوجية الأميركية، التي تقوم عليها قطاعات واسعة من الاقتصاد، وفق وول ستريت جورنال.

ويكمن أسوأ السيناريوهات التي يقلق منها مسؤولون أوروبيون في إصدار أمر تنفيذي من البيت الأبيض قد يؤدي إلى قطع وصول أوروبا إلى مراكز البيانات أو خدمات البريد الإلكتروني الأميركية التي تعتمد عليها الحكومات والشركات في عملها اليومي.

وقال برنار ليوتو، الشريك الإداري في شركة رأس المال الاستثماري الأوروبية Balderton Capital: «عندما تبدأ هذه الأفكار بالظهور، حتى لو كانت مجرد احتمالات، يصبح من الضروري التساؤل: كيف سيبدو الأمر عمليًا؟ هل يمكن تخيّل أوروبا تعمل من دون التكنولوجيا الأميركية؟ من الصعب جدًا تصور ذلك».

ودفعت طريقة تعامل ترامب مع ملف غرينلاند مسؤولين ودبلوماسيين أوروبيين إلى تشديد مواقفهم بشأن ضرورة تقليص الاعتماد على الولايات المتحدة، ليس فقط في مجال التكنولوجيا، بل أيضًا في الدفاع والتجارة.

وفي هذا السياق، أقرّ البرلمان الأوروبي يوم الخميس قرارًا بشأن «السيادة التكنولوجية»، يدعم استخدام معايير المشتريات العامة لتفضيل المنتجات الأوروبية حيثما أمكن، ويقترح تشريعات جديدة لتعزيز مقدمي خدمات الحوسبة السحابية الأوروبيين.

كما تعمل المفوضية الأوروبية حاليًا على إعداد تشريعات جديدة لتعزيز السيادة التكنولوجية، وسط نقاشات مفتوحة حول المخاطر الأمنية التي قد تشكلها التكنولوجيا الأميركية، وهي نقاشات قال مسؤولون أوروبيون إنها كانت غير قابلة للتصور قبل ستة أشهر فقط، بحسب وول ستريت جورنال.

وأكد مسؤولون ومشرعون أن الهدف ليس التخلي الكامل عن التكنولوجيا الأميركية، بل تقليص التبعية وتعزيز الشركات الأوروبية. إلا أن فكرة «فك الارتباط التكنولوجي» بين أوروبا والولايات المتحدة كانت محور نقاش واسع هذا الأسبوع في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث أقر قادة أعمال وصناع سياسات بأن هذه المهمة ستكون معقدة نظرًا لعمق الاعتماد الأوروبي على التكنولوجيا الأميركية، من الرقائق والحوسبة السحابية إلى نماذج الذكاء الاصطناعي.

وتُظهر بيانات شركة IDC أن أوروبا أنفقت في عام 2024 نحو 25 مليار دولار على خدمات البنية التحتية السحابية من أكبر خمس شركات أميركية، ما يمثل 83% من السوق الأوروبية.

وقال نيكولا دوفورك، رئيس بنك الاستثمار الحكومي الفرنسي Bpifrance: «ينبغي على الشركات الأوروبية الكبرى استخدام برمجيات أوروبية… الاعتماد الافتراضي على التكنولوجيا الأميركية أمر سهل جدًا ويجب أن يتوقف».

ورغم أن أوروبا قادت ثورة الهواتف المحمولة عبر شركات مثل نوكيا وإريكسون، فإنها تأخرت في عصر الإنترنت مقارنة بالولايات المتحدة والصين، وفشلت في إنشاء عمالقة تكنولوجيين بحجم غوغل أو أمازون. كما لم تنجح محاولاتها السابقة لتمويل محركات بحث محلية منافسة لغوغل.

ويعزو رواد أعمال أوروبيون هذا التأخر إلى ثقافة الحذر والمخاطر المحدودة، وتفتت السوق، وكثرة التنظيم، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي مؤخرًا إلى محاولة تخفيف بعض قواعده الرقمية، وإن كان التقدم بطيئًا.

وتعود محاولات أوروبا لتقليل هيمنة التكنولوجيا الأميركية إلى عقود، لكنها اشتدت في عام 2013 بعد تسريبات إدوارد سنودن حول ممارسات المراقبة الأميركية، ثم مجددًا في عام 2018 عندما أقرّت واشنطن قانونًا يسمح للسلطات بطلب بيانات مخزنة خارج الولايات المتحدة لدى شركات سحابية أميركية.

ومع ذلك، نجحت الشركات الأميركية في الحفاظ على حصصها السوقية بل وزيادتها، عبر بناء مراكز بيانات داخل أوروبا وتقديم تعهدات بعدم نقل البيانات خارجها. وفي السنوات الأخيرة، ذهبت هذه الشركات أبعد من ذلك عبر إنشاء نماذج “سحابة سيادية” بإدارة أوروبية.

ومنذ إعادة انتخاب ترامب، طلب مسؤولون أوروبيون من بعض مزودي الخدمات السحابية الأميركيين ضمان سهولة نقل البنية التحتية للبيانات إلى مزودين محليين في حال حدوث أي إجراء أميركي مفاجئ.

وفي ألمانيا، وسّعت مايكروسوفت شراكتها مع Delos Cloud التابعة لـSAP لتقديم خدماتها تحت ملكية وسيطرة محلية. كما أطلقت أمازون الأسبوع الماضي خدمة “سحابة سيادية” في ألمانيا، بينما أنشأت غوغل شراكات محلية مماثلة في فرنسا ودول أخرى.

ورغم ذلك، يؤكد مسؤولون أن الحكومات الأوروبية لا تسعى إلى أنظمة محلية بالكامل، بل إلى قدر أكبر من السيطرة والأمان، كما قال مات بريتين، المسؤول السابق عن عمليات غوغل في أوروبا.

وتبلغ المخاطر على الشركات الأميركية مستويات مرتفعة، إذ صدّرت أكثر من 360 مليار دولار من الخدمات الرقمية إلى أوروبا في 2024. وشكلت أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا نحو 29% من إيرادات ألفابت في الربع الثالث وحده.

وفي ظل هذه التحولات، تكثف فرنسا وألمانيا جهودهما لتعزيز الاستقلال التكنولوجي، حيث تختبر ألمانيا بدائل مفتوحة المصدر لأدوات مايكروسوفت، بينما يسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لدعم شركات محلية مثل Mistral AI وجذب استثمارات ضخمة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.