Contact Us
Ektisadi.com
تكنولوجيا

الدنمارك تردّ رقمياً على واشنطن

Denmark (google)

في خطوة تعكس تصاعد التوتر الشعبي تجاه السياسات الأميركية، يتجه الدنماركيون بشكل متزايد إلى استخدام التكنولوجيا لمقاطعة العلامات التجارية الأميركية، وفق ما أفادت به وكالة بلومبيرغ. فقد انتشر في الدنمارك تطبيق جديد للهواتف الذكية يتيح للمستهلكين مسح المنتجات اليومية ومعرفة ما إذا كانت مرتبطة بالولايات المتحدة، في ظل سخط متنامٍ من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وبحسب بلومبيرغ، يمنح التطبيق علامات إيجابية خضراء لمنتجات غير أميركية، مثل معجون “فيجيميت” الأسترالي أو زجاجة نبيذ فرنسية من شاتونوف دو باب، في حين يضع علامة حمراء على منتجات أميركية شهيرة، من بينها “دايت كولا”، في رسالة واضحة للمستهلكين بإعادتها إلى الرفوف. ويأتي ذلك في سياق شعور عام في الدنمارك، الدولة التي لا يتجاوز عدد سكانها ستة ملايين نسمة، بأنها تتعرض لضغوط سياسية غير مقبولة.

وأشارت بلومبيرغ إلى أن تحميل هذه التطبيقات شهد قفزة كبيرة منذ أن بدأ ترامب بالتلويح بفكرة السيطرة على غرينلاند، التي تُعد جزءاً من مملكة الدنمارك. التطبيق الأكثر انتشاراً، ويحمل اسم “UdenUSA” أي “من دون الولايات المتحدة”، تصدّر قائمة التطبيقات المجانية الأكثر تحميلاً على متجر آبل في الدنمارك خلال الأسابيع الأخيرة.

جوناس بيبر، الشاب البالغ من العمر واحداً وعشرين عاماً والذي شارك في تطوير التطبيق مع صديق قديم، وصفه في حديث نقلته بلومبيرغ بأنه “سلاح في الحرب التجارية بيد المستهلكين”، معتبراً أن تمكين المواطنين العاديين من توجيه رسالة مباشرة إلى الولايات المتحدة أمر “لافت ومثير”.

ورغم أن حجم الاقتصاد الدنماركي، الذي يعادل تقريباً اقتصاد ولاية ميريلاند الأميركية، لا يسمح بإحداث تأثير فعلي كبير على الصادرات الأميركية، ترى بلومبيرغ أن الانتشار السريع لتطبيق “UdenUSA” وتطبيقات مشابهة مثل “Made O Meter” يعكس حالة استياء وغضب متزايدة في أوروبا من نهج إدارة ترامب، التي وُصفت بأنها أربكت وأهانت قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي.

حتى الأحزاب اليمينية المتطرفة في الدنمارك، المعروفة بمواقفها المتشددة حيال الهجرة، لم تُخفِ غضبها. فقد نقلت بلومبيرغ عن النائب أندرس فيستيسن، من حزب الشعب الدنماركي، قوله في البرلمان الأوروبي في الحادي والعشرين من كانون الثاني إن على الرئيس الأميركي “أن يكفّ عن هذا الخطاب”، مستخدماً عبارة نابية أدت إلى توبيخه رسمياً.

ولم يقتصر التحول على المستهلكين فقط، إذ أفادت بلومبيرغ بأن مستثمرين مؤسساتيين في الدنمارك بدأوا هم أيضاً في إعادة النظر بعلاقاتهم المالية مع الولايات المتحدة. ففي العشرين من كانون الثاني، أعلنت مؤسسة “أكاديميكربنشن” تخليها عن كامل حيازتها من سندات الخزانة الأميركية، التي بلغت قيمتها نحو مئة مليون دولار أميركي في نهاية كانون الأول. ورغم ضآلة الرقم، إلا أن الخطوة حملت دلالة رمزية لافتة، إذ تزامنت مع ارتفاع في عوائد السندات الأميركية وإطلاق ترامب تهديدات بـ“ردود انتقامية كبيرة” ضد من يتخلون عن الأصول الأميركية.

وفي منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا، نقلت بلومبيرغ عن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت تقليله من أهمية هذه الخطوات، معتبراً أن استثمارات الدنمارك في سندات الخزانة الأميركية “غير مؤثرة”، وهو تصريح أثار بدوره جدلاً واسعاً.

من جهته، أوضح أندرس شيلده، مدير الاستثمار في “أكاديميكربنشن”، أن قرار البيع استند إلى مجموعة عوامل، من بينها ملف غرينلاند، والمخاوف المتعلقة بالسياسة المالية الأميركية، وضعف الدولار الأميركي، مشيراً إلى أن الحذر تجاه الولايات المتحدة لا يرتبط فقط بشخص ترامب بل بمسار أوسع على المدى الطويل، كما نقلت بلومبيرغ.

وعلى المستوى الشعبي، يواجه الدنماركيون صعوبات في تحديد ما إذا كان المنتج أميركياً أم لا، خاصة في ظل تشابك سلاسل التوريد العالمية. فشركة كارلسبرغ الدنماركية، على سبيل المثال، تقوم بتعبئة وتوزيع منتجات شركة كوكاكولا الأميركية داخل الدنمارك، ما يطرح تساؤلات حول معنى “المقاطعة” في اقتصاد عالمي مترابط.

وتختم بلومبيرغ بالإشارة إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي يشهد فيها العالم دعوات لمقاطعة المنتجات الأميركية، كما حدث بعد إعلان ترامب في الثاني من نيسان عن رسوم “يوم التحرير” الجمركية، إلا أن الزخم الحالي في الدنمارك يبدو أكثر تنظيماً بفضل الأدوات الرقمية. ومع إتاحة التطبيق بعدة لغات، بينها الألمانية والإنجليزية، واستعداده للانتشار على أجهزة أندرويد، يبدو أن المبادرة الدنماركية مرشحة لتجاوز حدود البلاد، بل والوصول حتى إلى داخل الولايات المتحدة نفسها.