بوتين بين ضغوط الموازنة وضيق هامش التسوية: نافذة السلام في أوكرانيا تقترب من الإغلاق

يجد الرئيس فلاديمير بوتين نفسه أمام فرصة تتقلص تدريجيا للتوصل إلى تسوية في أوكرانيا، في وقت تواجه فيه روسيا ضغوطا متزايدة على ميزانيتها نتيجة اتساع فجوة تمويل العمليات العسكرية.
ومع توجه مبعوث الكرملين كيريل دميترييف إلى ميامي لإجراء محادثات مع مسؤولين أميركيين يوم السبت، تتزايد المخاوف داخل الأوساط الرسمية الروسية من تجاوز الإنفاق الحكومي هذا العام السقوف المعتمدة مجددا، في حال استدعت الحرب تمويلًا إضافيًا.
وفي هذا السياق، تتحرك السلطات بشكل مكثف للبحث عن موارد مالية جديدة بنحو 1.2 تريليون روبل (ما يعادل 16 مليار دولار) بهدف احتواء اختلال رئيسي في الميزانية، وفق بلومبيرغ.
وهذا المبلغ يمثل زيادة تقارب 0.5% من الناتج المحلي الاجمالي فوق مستوى العجز المقرر لهذا العام والبالغ 1.6%، وذلك في سياق تراجع عائدات الطاقة وتأثر الإيرادات بقوة الروبل التي جاءت على نحو غير متوقع، وفقا للمصادر.
وتتفاقم التحديات الاقتصادية في وقت يبحث فيه ممثلون عن موسكو وواشنطن عن مسارات محتملة لإنهاء الحرب الواسعة التي اندلعت عام 2022.
وفي المقابل، لا تَظهر مؤشرات على استعداد بوتين لتخفيف سقف مطالبه الاقليمية في شرق أوكرانيا، على الرغم من إبداء مسؤولين في الولايات المتحدة وأوكرانيا قدرا من التفاؤل حيال إحراز تقدم في المحادثات الرامية إلى إنهاء أعنف نزاع تشهده أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وتقدّر موسكو أن احتمالات إحراز تقدم جوهري في محادثات السلام ما تزال محدودة، وفقًا للمصادر.
ففي حين تنشغل الوفود العسكرية الروسية والأوكرانية ببحث الجوانب التقنية المرتبطة بتطبيق أي وقف محتمل لإطلاق النار، تبقى القضايا المتعلقة بالأراضي مرهونة بقرارات سياسية على مستوى القيادات العليا، بحسب ما أفادوا.
وصرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن يوم الأربعاء، أن ملف الأراضي لا يزال القضية الوحيدة العالقة التي لم يتم التوصل إلى حسمها بعد، مضيفًا: ما زال هذا الملف مرحلة لم يتم تجاوزها حتى الآن، وفق بلومبيرغ.
وقد يدخل الاستحقاق السياسي الأميركي بدوره في حسابات الكرملين، مع تصاعد انشغال الرئيس دونالد ترامب بانتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر، وفقًا لألكسندر غابويف مدير مركز كارنيغي لدراسات روسيا وأوراسيا في برلين.
وقال غابويف أن الشروط التي يفرضها ترامب لإنهاء الحرب تمثل أفضل ما يمكن أن يحصل عليه بوتين خلال ولايته كاملة، مرجحًا ألا تبقى هذه العروض متاحة إلى ما لا نهاية، خصوصًا إذا فقد ترامب السيطرة على مجلس النواب، وهو سيناريو محتمل قد يحدّ من قدرته على تمرير أي خطوات يرغب بها.
ومن المتوقع أن تواجه الميزانية الروسية ضغوطًا إضافية نتيجة العقوبات الأميركية التي تجبر منتجي النفط على تقديم خصومات على خام ضعيف الأسعار بالفعل.
وتعتمد ميزانية عام 2026 على تحقيق إيرادات قدرها 8.9 تريليون روبل (حوالي96.5 مليار دولار ) من النفط والغاز، مع افتراض سعر خام الأورال عند 59 دولارًا للبرميل وسعر صرف 92.2 روبل مقابل الدولار.
إلا أن خام الأورال يُتداول حاليًا عند حوالي 55 دولارًا للبرميل، بينما يبلغ سعر صرف الروبل نحو 75 مقابل الدولار.
وإذا استمرت هذه المستويات، فإن إيرادات النفط والغاز ستصل إلى 6.75 تريليون روبل( 90 مليار دولار تقريبا) ، ما يترك فجوة تقارب 2.2 تريليون روبل، بحسب حسابات بلومبيرغ.
ورغم ذلك فالعجز المخطط للميزانية الروسية هذا العام يبقى منخفضًا مقارنة بالمعايير الدولية.إلا أن الحكومة كانت قد رفعت هدف العجز بشكل كبير العام الماضي من 0.5% إلى 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي، واضطرت إلى خفض الانفاق في كانون الأول/ديسمبر للالتزام بهذا الهدف.
وسدت الفجوة من خلال إصدار مستوى قياسي من الديون الحكومية عالية التكلفة على شكل سندات OFZ، وفقا بلومبيرغ.
ويرغب بوتين في أن تتخلى أوكرانيا عن السيطرة على إقليم دونباس الشرقي، الذي يشمل منطقتي دونيتسك ولوهانسك، وذلك ضمن ما تصفه روسيا بتفاهمات أنكوريج التي تم الاتفاق عليها خلال قمته مع ترامب في ألاسكا في آب/ أغسطس. كما ستظل خطوط القتال الحالية مجمّدة في المنطقتين الجنوبيتين، خيرسون وزابوريجيا.
ويعتبر الكرملين هذا بمثابة تنازل من بوتين، الذي سبق أن طالب بالسيطرة الكاملة على المناطق الأربع، رغم أن قواته لم تتمكن من احتلالها بالكامل، وفقًا لمصادر مطلعة.
وترفض أوكرانيا الانسحاب من المناطق المحصنة في شرق دونيتسك، التي لم تتمكن القوات الروسية من السيطرة عليها منذ اندلاع القتال عام 2014، ما لم يتم سحب القوات الروسية بالمثل.
وتقترح المبادرات الأميركية تحويل هذه المناطق غير المحتلة إلى مناطق منزوعة السلاح أو مناطق اقتصادية حرة تحت إدارة خاصة.
وأوضح روبيو أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ أن هناك اتفاقًا عامًا على الضمانات الأمنية لأوكرانيا بعد الحرب، مشيرًا إلى أن هذه الضمانات تشمل بشكل أساسي نشر عدد محدود من القوات الأوروبية، خصوصًا من فرنسا والمملكة المتحدة، مع دعم أميركي خلفي.
وأضاف أن الضمانة الأساسية الفعلية هي هذا الدعم الأميركي.
وقال يوري أوشاكوف مساعد بوتين للشؤون الخارجية، للصحافيين يوم الخميس إن هذه الضمانات لم يتم الاتفاق عليها مع روسيا، مؤكدًا أن مسألة الأراضي تمثل القضية الأساسية، لكنها ليست الوحيدة التي لا تزال عالقة.
وأفاد أشخاص مطلعون أن جولة سابقة من المحادثات في أبوظبي كانت بنّاءة وركزت على مسائل من بينها كيفية تنفيذ وقف إطلاق النار حال الاتفاق عليه.
ويخطط المسؤولون العسكريون لمواصلة هذه المباحثات، رغم تدني التفاؤل بإمكانية التوصل إلى هدنة دون إحراز تقدم في قضية الأراضي، وفقًا للمصادر التي فضلت عدم الكشف عن هويتها.
والتقى بوتين يوم الخميس في الكرملين برئيس دولة الإمارات، الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وشكره على استضافة المحادثات.
وشارك المبعوثان الرئاسيان الأميركيان، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ترامب، في تلك المفاوضات بعد وصولهما إلى أبوظبي قادمين من موسكو، حيث أجريا محادثات مع بوتين استمرت نحو أربع ساعات.
ولا مشاركة أوروبية في محادثات ميامي، ولديها معرفة محدودة بما إذا طرأ أي تغيير على الموقف الروسي، وفقًا لدبلوماسي أوروبي، بحسب ما أفادت به بلومبيرغ.



