Contact Us
Ektisadi.com
أدب

دعسات لا تُرى (بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
19 فبراير 2026 في 08:37 ص
مشهد درامي ai

بعد انفصالهما، لم ترحل.

لم تأخذ حقائبها ولا صورها، تركت كلّ شيء خلفها... ثم سكنت فيه.

في بداية الأمر، كان يراها في أماكن مألوفة: على الأرصفة التي اعتادا السير عليها، في المقاهي التي لم تعد تجمعهما، كان يهمس لنفسه بأن المدينة مليئة بالوجوه المتشابهة، وأنّ الحنين ماهر في التقليد.

في النوم كانت أوضح.

كانت تستحضر إحساسًا خافتًا بين القلب والوتين، ذلك الخيط الذي لا يرى لكنه يتشبث به بما أوتي من حب. شعوره بحضورها معركة تُدار بضجيج صامت، لا صراخ فيها ولا انتصار.

وجودها وحده كان كافيًا لخلخلة توازنه.

كانت تقف عند حدود الرؤية، حيث لا يملك العقل دليلًا قاطعًا، ولا يجرؤ الشك على التدخل.

كان يستيقظ أحيانًا وهو يلهث، ويده معلقة في الهواء، يحاول الإمساك بما تبقى من طيفها قبل أن يتبدد، وفي لحظة الوعي كان يشعر بأن قلبه قد انتزع منه، وأن المكان أصبح ضيقًا، وأن الليل يراقبه بصبر.

مع الأيام، تسلّلت إلى يقظته.

في الشارع، بدأ يسمع وقع خطوات تشبهها، فيلتفت من دون إرادة، يبحث عنها بين المارة، قامة شامخة، شالها المفضل ومن ثم عطرها...

ذلك العطر الذي لا يخطئه، يسبقه إليها دائمًا، يتسلّل إلى صدره كذكرى حادة لا تطلب الإذن. كان يتوقّف فجأة، وسط الزحام، كمن اصطدم بشيء غير مرئي، فيختلّ توازنه في منتصف المشهد، مشدودًا إلى أثر لا يراه سواه.

في الليل، يصبح الأمر أكثر كثافة.

الغرفة تصبح صغيرة، الهواء مشحونًا بحضور لا يرى، وعطرها ينساب بين الزوايا كوشاحٍ من الذكريات.

ابتسم أخيرًا، مدركًا أنها مهمّا ابتعدت لن تغادره، وأن الفقد ليس إلّا وهمًا يعيش فينا.

جلس في صمت، مستسلمًا لوجودها في قلبه، وللظلّ الذي صار رفيقه، ولأنّ حبّه لها لم يتبدّد كالطيف الذي جاءه بالحلم، فهو نبض خالد يضيء روحه كشعلة لا تنطفئ، يهمس له بأنّ الحب لا يغادر أبدًا.