كفارة عشق (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


لم يكن يومًا الحب خطيئة، لكن خطأنا حين أسدلنا الستار بأكمله على قصة لم تكتمل بما خُطِّط لها، كان خوفنا من نهايتها أكبر من خوفنا من ضياعها، فاخترنا الهروب بدل المواجهة، والصمت بدل الاعتراف. لم يكن بيننا خصام حقيقي ولا خيانة تُعلّق عليها الهزائم، كان بيننا كبرياء صغيرة نمت في الظل حتى صارت جدارًا، وخوفٌ تسلل إلينا في هيئة حكمة، فأقنعنا أن الفراق أرحم من انتظار قد يخذل.
في تلك الليلة، اتفقنا على الرحيل كما يتفق الغرباء على إنهاء حديث عابر، أطفأنا آخر مصباح في بيتٍ بنيناه على عجل، وأقنعنا أنفسنا أن كل شيء نعيشه الآن سيستمر وسيثمر ولو بعد حين.
مرّت أيام تتبعها أيام، لكن الثمر لم يأتِ كما وعدنا أنفسنا، بل ذبل في صمت طويل، حاولت أن أملأ فراغك بأحاديث عابرة ووجوه لا تعرف تفاصيل ضعفي، لكن كل ضحكة كانت تنتهي باسمك، وكل بداية كانت تتعثر عند أول ذكرى. كنت أبدو بخير أمام الجميع، إلا حين أختلي بنفسي، هناك فقط كانت الحقيقة تجلس قبالتي وتسألني: هل كان الفراق قرارًا شجاعًا أم هروبًا مؤجلًا؟
كنت أتهرّب من الإجابة، أؤجلها كما أؤجل النظر في صورنا القديمة، وكما أؤجل التفكر في أول اعتراف كان بيننا، كنت أقنع نفسي بأن الحياة تمضي، وبأن القلب يتعلم النسيان، لكن قلبي كان عنيدًا، يعود إليك كلما اشتعل في جوفه بركان، كلما هدأت الضوضاء حولي وخلوت إلى صمتي، كان اسمك يترنّم داخل الرماد كشرارة لم يغادرها الحب، لتذكرني بأن ما بيننا لم يكن شيئًا عابرًا كما ادعينا، ولا هشًا كما صورناه لحظة الوداع.
في كل مرة أظنّني تجاوزتك، كان موقف صغير يعيدني إليك، أغنية سمعناها معًا، أو حتى جملة عابرة تحمل نبرة صوتك، كنت أبتسم بين الآخرين وأتابع حديثي، بينما في داخلي كانت الذكرى تأخذني حيث الاعتراف المرتبك الذي ارتجفت فيه الكلمات بيننا.
هناك تحديدًا أدركت متأخرة أن كفارة العشق لا تُدفع دفعة واحدة، بل تُقَسَّط على هيئة حنين طويل، على هيئة أسئلة بلا أجوبة، وعلى هيئة ليالٍ نبدو فيها بخير أمام الجميع، إلا أمام أنفسنا، هناك فقط نعترف أن بعض القرارات لا يُصلحها الزمن، وأن بعض القلوب تظل معلّقة عند لحظة لم تكتمل، تنتظر شجاعة لم تأتِ… وربما لن تأتي!




