الخط العربي… بين قدسية النص وجمالية التشكيل

في فضاء الثقافة العربية والإسلامية، يظل الخط العربي أحد أعمق الرموز الحضارية وأكثرها التصاقًا بالوجدان الجمعي، إذ لا يقتصر حضوره على كونه وسيلة للكتابة أو أداة للتدوين، بل يتجاوز ذلك ليغدو فنًا قائمًا بذاته، تتجلى فيه جمالية الحرف، ودقة التكوين، وسمو المعنى.
وعلى امتداد قرون طويلة، ظل الخط العربي شاهدًا حيًا على تاريخ من الإبداع الفني والتراث الثقافي، حاضرًا في العمارة، ومتغلغلًا في الفنون الزخرفية، ومرافقًا لتفاصيل الحياة اليومية، بوصفه لغة بصرية تختزن الذاكرة والهوية في آن واحد , بحسب وكالة الأنباء القطرية (قنا) اليوم الجمعة.
ومع حلول شهر رمضان المبارك، يكتسب الخط العربي حضورًا أكثر كثافة وتأثيرًا في المشهدين الثقافي والروحي، حيث تتزين به المساجد والمجالس والمراكز الثقافية، وتُخطّ به الآيات القرآنية والأدعية والعبارات الإيمانية التي تعكس روح الشهر الفضيل. وفي هذا السياق، يتحول الحرف العربي إلى نافذة للسكينة والتأمل، ويغدو جزءًا أصيلًا من التجربة الإيمانية والبصرية، يلامس الروح قبل العين، ويمنح المكان طابعًا من الطمأنينة والخشوع.
وفي دولة قطر، يواصل الخطاطون جهودهم في صون هذا الإرث الفني وإحيائه، من خلال أعمال خطية وزخارف إسلامية تزين المساجد والمراكز الثقافية والمخطوطات، جامعِين بين الأساليب التقليدية العريقة واللمسات الحديثة التي تعكس روح العصر دون التفريط بالأصالة. كما يسهم هؤلاء الفنانون، عبر مشاركاتهم في المعارض وورش العمل المتخصصة، في نقل هذا الفن إلى الأجيال الشابة، وترسيخ حضوره في المشهد الثقافي بوصفه أحد ملامح الهوية الوطنية والحضارية.
وفي هذا الإطار، أكد الخطاط عبدالله فخرو، في تصريحات لوكالة الأنباء القطرية (قنا)، أن الخط العربي ليس مجرد كتابة للحروف، بل تجربة روحانية متكاملة، تستدعي الجلوس في مكان هادئ والتركيز الذهني العميق. وأوضح أن كل لوحة ينجزها تحمل في طياتها جانبًا من الإيمان والسكينة، حيث يكرّس جهده ووقته ليخرج العمل في صورة تجمع بين الجمال الفني والروحانية الصادقة، معبّرًا عن الجوهر الإيماني الكامن في النصوص المكتوبة.
وأشار فخرو إلى أن شهر رمضان يمنح الخط العربي بعدًا خاصًا، إذ تصبح الكتابات خلاله أكثر عمقًا وروحانية، ويغدو كل حرف يُخطّ بعناية انعكاسًا لمعاني الذكر والتأمل والتقرب إلى الله. ولفت إلى أن كتابة القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية أو الأدعية والأذكار في هذا الشهر الفضيل تتطلب حالة من الصفاء الذهني والتركيز العالي، ليغدو الخط ممارسة روحية تتقاطع فيها أبعاد الفن والدين والثقافة.
وأكد أن أحد أسرار جمال الخط العربي يكمن في قدرته اللامحدودة على التحول إلى أشكال زخرفية وتجريدية، تتعدد فيها الإمكانات وتتنوع الأساليب، مشددًا على أن الخطاط القطري اليوم يتحمل مسؤولية الحفاظ على هذا التراث ونقله إلى الأجيال القادمة، ليستمر الخط العربي رمزًا للجمال والهوية والروحانية في آن واحد.
من جانبها، أوضحت الخطاطة إيمان السعد لـ قنا أن الخط العربي يؤدي دورًا محوريًا في تجسيد اللغة العربية بوصفها أداة للتعبير الجمالي، لا سيما عند ارتباطه بالنصوص الدينية، الأمر الذي يمنحه بعدًا قدسيًا ويضفي عليه طابعًا فنيًا متفردًا. وأكدت أن الزخرفة الإسلامية، بأنماطها المتعددة وتكراراتها المتوازنة، تشكل جسرًا بصريًا وروحيًا متداخلًا بين النصوص المقدسة والأماكن التي تحتضنها.
وأضافت أن فن الخط يتألق بروحانية عميقة ويزداد وهجًا خلال شهر رمضان، لارتباطه الوثيق بتلاوة القرآن الكريم، مشيرة إلى أن الخط هو لغة الروح التي تتجلى في كتاب الله العزيز، مع حسن توظيف للزخرفة ضمن أطر هندسية متناسقة. ولفتت إلى أن النقوش الخطية القرآنية التي تزين جداريات وقباب المساجد تسهم في خلق أجواء من السكينة والتأمل، بعيدًا عن صخب العالم المادي.
وفيما يتعلق بدعم الجهات الرسمية، أكدت السعد وجود رعاية واضحة لفن الخط العربي من قبل مؤسسات الدولة، مشيرة إلى إطلاق عدد من المسابقات الدولية البارزة، من بينها جائزة قطر الدولية للخط العربي "الرقيم" التي تنظمها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالتعاون مع متحف الفن الإسلامي، إلى جانب المسابقة الدولية لفن الخط العربي جائزة الأخلاق التي تنظمها وزارة الثقافة. واعتبرت أن هذه المبادرات تعكس تقديرًا حقيقيًا لهذا الفن الأصيل، داعية إلى تكثيف المعارض المتخصصة في الخط والزخرفة بما يسهم في اكتشاف مواهب جديدة ورفع اسم دولة قطر في المحافل الدولية.
بدوره، أكد الخطاط صالح أحمد العبيدلي لـ قنا أن شهر رمضان يشكل مصدر إلهام استثنائي لأعماله الفنية، موضحًا حرصه الدائم على الجمع بين الأصالة والابتكار، من خلال إعادة تشكيل الحروف العربية بأسلوب جمالي يبرز مكانة الفن الحروفي كفن راقٍ يتجاوز حدود اللغة ليصبح رسالة بصرية تحمل عبق التراث وروح المعاصرة.
وأضاف العبيدلي أن كل لوحة خطية أو تشكيلية تنطوي على حكاية من نور وتأمل في الجمال الكامن في التفاصيل، معتبرًا رمضان موسمًا ثريًا للإبداع الفني لما يوفره من صفاء نفسي وتأمل عميق وتجديد للعلاقة بالحرف واللون، فضلًا عن إتاحة الفرصة لاختبار تقنيات وأساليب جديدة.
وتطرق إلى الزخرفة العربية، مؤكدًا أنها تعكس عمقًا فلسفيًا وجماليًا مستمدًا من الثقافة الإسلامية، حيث تقوم على التجريد والتكرار والتناغم، وتكمل الحروف دون أن تطغى عليها أو تشتت الانتباه عنها. وأوضح أنه يوظف زخارف هندسية دقيقة، وأحيانًا نباتية رقيقة، بما يتلاءم مع روح النص المكتوب، مشيرًا إلى أن التناغم بين عناصر العمل الفني يمنح اللوحة وحدة متكاملة مريحة للعين، ويجسد الهوية العربية في صورة بصرية وجمالية واضحة, وفقا لوكالة الأنباء القطرية (قنا).




