الرقص بين اللهيب


في ليلة ظلماء ومن دون أي إنذار، بدأ الدخان يتصاعد من أطلال المدينة، والغبار يملأ الجو، دويّ الانفجارات وأزيز الرصاص البعيدان يقطعان الصمت، لكن وسط هذا الخراب، كان شابٌّ يمشي بخطوات حذرة، عيناه تتفحصان كل زاوية، كل حطام، غير آبه بشيء.
وسط الدخان والرماد، كان قلبه ينبض بسرعة، لا بسبب الخوف، بل بسبب هدف واحد، أن يجدها... أن يخلّص حبيبته من بين النيران قبل أن يبتلعهما اللهيب بالكامل.
اجتاز مسافات يتخطّى لهيب النيران، متجاوزًا أعمدة الدخان والنيران المشتعلة، يسمع صراخ الناس من بعيد، لكنه لم ينتبه إلا لصوت واحد يطرق قلبه؛ صوتها. كان صوته الخافت يتخطّى المارة: حبيبتي، لا تخافي أنا هنا.
كان يتوقف بين الحين والآخر ليلتقط أنفاسه، ثم يتابع الطريق، كأن كل خطوة كانت رقصة على حافة النار، يصرخ باسمها غير آبه بالمخاطر.
ظلّ يصرخ حتى كاد صوته يمتزج بحبات الرمل المتطايرة، كانت كل خفقة قلب تعكس شغفه وعزمه على إنقاذها، إلى أن أحسّ بحركة خلفه وبصوت بالكاد يُسمَع: أنا هنا...
وصل إليها، فأمسك بيدها وأخرجها من بين الركام، اختلطت نظراتهما بفيض من الخوف والحب.
قالت وهي ترتجف: كنت خائفة أن أفقدك!
غمرها، ثم ابتسم في وجهها وعيناه مليئتان بالأمل والثبات، قائلًا: لن أدع النار تفرّقنا...
وقفا هناك، وسط الدخان والركام، لكن قلبيهما كانا يحترقان بنار أقوى من أي حريق حولهما. نظرا إلى بعضهما بعضًا، والابتسامة ترتسم على وجهيهما رغم الرماد، اقتربا حتى التقت جبهتاهما، وتنفسا نفسًا واحدًا رغم تلوث الهواء، وأخذ قلباهما يذوبان في بعضهما بعضًا، ينبضان بشغف لا يقهر، بحبّ يشتعل ويذيب الخراب.
لم يكن ثمّة ما يفرقهما، فالخراب حولهما أصبح مجرّد خلفية لصورتهما، لحظة حب لا تعرف النهاية. في قلب الرماد، تشابكت أيديهما، وابتسمت روحاهما، معلنتين أن الحب قادر على إعادة الحياة، على إشعال النجوم من جديد؛ وأنهما معًا، مهما اشتدت العواصف، يظلان مشعّين، متّحدين، ليثبتا أن الحب قادر على هزيمة جميع الحروب.




