من التلغراف إلى الهاتف الذكي كيف وحّدت تكنولوجيا المعلومات الولايات المتحدة عبر 250 عامًا

شهدت الولايات المتحدة عبر تاريخها الطويل تحولًا جذريًا في وسائل الاتصال ونقل المعلومات، بدءًا من الرسائل البطيئة التي كانت تعتمد على الخيول والبشر، وصولًا إلى الهواتف الذكية التي تضع العالم بأكمله في جيب الإنسان. وفي تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال ضمن سلسلة “USA250: قصة أعظم اقتصاد في العالم”، تم تسليط الضوء على الكيفية التي ساهمت بها تكنولوجيا المعلومات في توحيد أمة كاملة على مدى 250 عامًا.
في بدايات التاريخ الأميركي، كانت وسائل الاتصال شديدة البطء، إذ لم تكن الرسائل تنتقل أسرع من سرعة الإنسان أو الحصان. وكانت المستعمرات البريطانية الممتدة على الساحل الشرقي لأميركا تعاني من صعوبات كبيرة في التواصل، نظرًا لامتدادها على طول ألف ميل من الساحل، بالإضافة إلى المسافة الشاسعة التي كانت تفصلها عن أوروبا والتي بلغت نحو ثلاثة آلاف ميل. وكان إرسال الأخبار يستغرق وقتًا طويلًا للغاية، فعلى سبيل المثال، استغرق خبر معركة ليكسينغتون، التي شكلت الشرارة الأولى للثورة الأميركية في 19 نيسان /أبريلعام 1775، أكثر من شهر ليصل إلى لندن. فقد وصل الخبر إلى نيويورك بعد يومين فقط، ثم إلى فيلادلفيا بعد ثلاثة أيام إضافية، وبعدها إلى تشارلستون في التاسع من أيّار/مايو تقريبًا، بينما لم يصل إلى لندن إلا في 28 أيّار/مايو.
بعد انتهاء الثورة الأميركية، أصبح بطء الاتصالات يمثل تهديدًا حقيقيًا لوحدة الدولة الجديدة، خاصة أن الولايات المتحدة كانت أكبر بأربع مرات من فرنسا، التي كانت تُعد أكبر دولة في أوروبا الغربية آنذاك. وكان جورج واشنطن يشعر بالقلق من احتمال انفصال المناطق الواقعة غرب جبال الأبلاش، بسبب بعدها الجغرافي واعتمادها التجاري على نهر المسيسيبي ومدينة نيو أورلينز التي كانت آنذاك تحت السيطرة الإسبانية.
سعت الحكومة الأميركية الجديدة إلى تحسين وسائل الاتصال بما تستطيع، فأنشأت نظامًا بريديًا أكثر موثوقية، لكن في الوقت نفسه كانت هناك تقنية جديدة قيد التطوير ستُحدث تحولًا غير مسبوق في تاريخ الاتصال، وهي التلغراف الكهربائي نقلا عن صحيفة وول ستريت جورنال.
في عام 1753، اقترح شخص عُرف فقط بالحرفين C.M. في مجلة اسكتلندية فكرة استخدام الكهرباء لإرسال الرسائل عبر الأسلاك. وكما هو الحال مع كثير من اختراعات العصر الصناعي، لم يكن التلغراف اختراع شخص واحد، بل ساهم في تطويره عدد من العلماء والمخترعين، من أبرزهم ويليام فوثرغيل كوك وتشارلز ويتستون في إنجلترا، وصموئيل مورس في الولايات المتحدة.
وسرعان ما أصبح نظام مورس وشفرته الشهيرة الأكثر اعتمادًا، خاصة أن شيفرته كانت فعالة للغاية، وكانت الجزء الوحيد الذي ابتكره مورس بالكامل بنفسه. بدأ التلغراف بالانتشار عبر البلاد مستفيدًا من مسارات السكك الحديدية التي كانت تتوسع بسرعة كبيرة. وبحلول عام 1861، أي بعد سبعة عشر عامًا فقط من أول رسالة أرسلها مورس عبر الأسلاك والتي كانت تقول: “ماذا صنع الله؟”، أصبح هناك خط تلغراف يصل حتى ولاية كاليفورنيا، على بعد 1500 ميل غرب نهر المسيسيبي، عبر أراضٍ كانت بمعظمها غير مأهولة.
هذا التطور غيّر شكل الإعلام بالكامل، إذ أصبح الخبر الذي يحدث في بوسطن يصل إلى سان فرانسيسكو في اليوم نفسه، وهكذا وُلد الإعلام الحديث، الذي تطور لاحقًا ليُعرف بالسلطة الرابعة في الحياة السياسية.
كما لعب التلغراف دورًا كبيرًا خلال الحرب الأهلية الأميركية، التي جرت على مساحة أكبر من أي حرب برية سابقة في التاريخ، حيث أصبح بالإمكان متابعة الحرب وإدارتها من مسافات بعيدة. وكان الرئيس أبراهام لينكولن يقضي ساعات طويلة في مكتب التلغراف التابع لوزارة الحرب، يقرأ البرقيات القادمة من الجبهات ويصدر أوامره مباشرة.
لاحقًا، بدأت كابلات التلغراف البحرية تعبر القنوات والممرات المائية المختلفة، مثل القنال الإنجليزي، إلى أن جاء عام 1866 حين نجح رجل الأعمال الأميركي سايروس فيلد في مد كابل تلغراف عبر المحيط الأطلسي.
قبل هذا الإنجاز، كانت المعلومات تحتاج إلى أسبوعين كاملين لتنتقل من أوروبا إلى الولايات المتحدة حتى باستخدام السفن البخارية، أما بعد الكابل فأصبحت تصل خلال ثوانٍ فقط. وبحلول ثمانينيات القرن التاسع عشر، أصبحت شبكة ضخمة من كابلات التلغراف المغمورة تحت البحار تربط العالم بأكمله. وقد ظهر تأثير ذلك بوضوح عام 1883 عندما انفجر بركان كراكاتوا في جزر الهند الشرقية الهولندية، وهو أحد أعظم الانفجارات البركانية في التاريخ المسجل، حيث علم العلماء حول العالم بالحدث خلال ساعات فقط، وبدأوا بدراسة آثاره العالمية مباشرة.
كما ساهم كابل الأطلسي في دمج أسواق المال العالمية، وخاصة بين وول ستريت ولندن، اللتين كانتا أكبر سوقين ماليين في العالم آنذاك، فأصبحت أسعار الأسهم والأوراق المالية متقاربة ومتزامنة بين السوقين. وحتى أسعار السلع الأساسية أصبحت مرتبطة عالميًا، لدرجة أن الاقتصادي آرثر هادلي من جامعة ييل كتب عام 1886 أن قمح داكوتا وروسيا والهند أصبح في منافسة مباشرة، وأن المعروض في أوديسا يؤثر مباشرة في سعر القمح في شيكاغو. ورغم السرعة الكبيرة التي وفرها التلغراف، إلا أنه كان يحتاج إلى مشغلين متخصصين لترميز الرسائل وفكها، ما جعل العملية أبطأ من الناحية العملية. لكن هذا العائق انتهى في عام 1876 عندما قدم ألكسندر غراهام بيل اختراعًا جديدًا سمح للناس بالتحدث مباشرة عبر المسافات، وليس فقط إرسال النصوص المكتوبة، وكان هذا الاختراع هو الهاتف.
وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال ، دخل الهاتف بسرعة إلى عالم الأعمال، وخلال عشر سنوات فقط أصبحت الأحياء التجارية في المدن الكبرى مليئة بأسلاك الهاتف الجديدة المضافة إلى أعمدة التلغراف القديمة. لكن امتلاك الهاتف في المنازل ظل محدودًا بسبب ارتفاع تكلفته، إذ لم تكن معظم العائلات قادرة على تحمله.
وفي عام 1927، عندما أصبحت أول المكالمات الهاتفية عبر المحيط الأطلسي ممكنة، كانت تكلفة الدقيقة الواحدة 25 دولارًا، مع حد أدنى ثلاث دقائق، أي ما يعادل 75 دولارًا، وهو مبلغ كان يمثل دخلًا أسبوعيًا كاملًا لعائلة من الطبقة المتوسطة في ذلك الوقت. ولم يصبح الهاتف متوفرًا في معظم المنازل الأميركية إلا في منتصف أربعينيات القرن العشرين، وكانت متاجر الحلوى المحلية في الأحياء الحضرية تحتوي غالبًا على هاتف عمومي وتعمل كمركز رسائل لسكان المنطقة.
وفي الوقت نفسه، وبينما كان الهاتف يغير عالم الاتصالات السلكية، كان اكتشاف علمي جديد يستعد لإلغاء الحاجة إلى الأسلاك نهائيًا.
في عام 1864، نشر العالم جيمس كليرك ماكسويل نظريته الشهيرة في الكهرومغناطيسية، التي وحدت بين قوتين طبيعيتين وأصبحت لاحقًا تُعرف بمعادلات ماكسويل. ثم جاء الفيزيائي الألماني هاينريش هيرتز عام 1886 ليُثبت وجود الموجات الكهرومغناطيسية ويكتشف موجات الراديو.
بعد ذلك، قام الإيطالي غولييلمو ماركوني بتطوير نظام عملي للتلغراف اللاسلكي باستخدام موجات الراديو. في البداية، كانت الإشارات تنتقل لمسافات قصيرة فقط، لكن بحلول عام 1902 أصبحت قادرة على عبور المحيط الأطلسي.
وفي عام 1912، عندما غرقت سفينة تايتانيك، تمكنت من إرسال نداء استغاثة عبر الراديو، وكان لهذا الاختراع دور كبير في إنقاذ العديد من الأرواح، حتى إن مدير البريد البريطاني كتب حينها أن الذين نجوا قد نجوا بفضل رجل واحد هو ماركوني واختراعه المذهل.
وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، أصبح من الممكن إرسال الصوت نفسه عبر الهواء، وليس فقط إشارات مورس، وبحلول عام 1920 بدأ البث الإذاعي الحديث في الولايات المتحدة وانتشر بسرعة كبيرة في كل مكان تتوفر فيه الكهرباء.
أدى الراديو إلى توحيد الثقافة والأسواق الأمكية بشكل غير مسبوق، حيث أصبح الناس يستمعون إلى الأغاني نفسها ويضحكون على النكات نفسها في الوقت نفسه. كما أصبح الراديو أداة سياسية مؤثرة جدًا، ومن أبرز الأمثلة على ذلك استخدام الرئيس فرانكلين روزفلت لما عُرف بأحاديث الموقد التي خاطب فيها الشعب الأميركي مباشرة.
ثم قاد الراديو إلى ظهور فكرة التلفزيون، أي “الرؤية عن بُعد”. وقد تم تطوير أنظمة التلفزيون الميكانيكية في عشرينيات القرن الماضي، خاصة على يد المخترع الاسكتلندي جون لوجي بيرد، بينما استخدم الأميركي فايلو فارنسورث أنبوب الأشعة المهبطية، الذي أصبح لاحقًا المعيار الأساسي.
ورغم أن الحرب العالمية الثانية أخرت انتشار التلفزيون، إلا أنه بحلول عام 1948 بدأ ينتشر بسرعة كبيرة، مما عزز أكثر الاتجاهات الثقافية التي بدأت مع الراديو.
وفي ستينيات القرن العشرين، دخلت الأقمار الصناعية للاتصالات الخدمة، مما سمح بنقل البث التلفزيوني عالميًا بشكل فوري. ففي عام 1953، شاهد الأميركيون تتويج الملكة إليزابيث الثانية في اليوم التالي عبر فيلم نُقل جوًا عبر الأطلسي، بينما أصبحت أجزاء من جنازة ونستون تشرشل عام 1965 تُشاهد مباشرة بفضل قمر “تلستار” التابع لشركة AT&T.
أما الأربعينيات فقد شهدت أيضًا بداية ثورة تكنولوجية أخرى لا تزال مستمرة حتى اليوم، وهي ثورة الحواسيب.
في عام 1945، دخل أول حاسوب قابل للبرمجة، المعروف باسم “إينياك”، الخدمة. وكان هذا الجهاز أسرع بحوالي ألف مرة من الآلات الحاسبة الكهروميكانيكية السابقة، لكنه كان ضخمًا للغاية، إذ احتوى على 18 ألف صمام مفرغ، وآلاف المكونات الإلكترونية الأخرى، وخمسة ملايين وصلة لحام يدوية، وكان يستهلك 150 كيلوواط من الكهرباء ويزن نحو 30 طنًا.
ثم جاء اختراع الترانزستور عام 1948 ليقلل بشكل هائل من حجم الحواسيب واستهلاكها للطاقة، وبعد ذلك حدثت قفزة ثورية جديدة عام 1972 مع ظهور أول معالج دقيق، وهو حاسوب كامل داخل شريحة سيليكون صغيرة.
منذ ذلك الوقت بدأت تكلفة الحواسيب بالانخفاض بسرعة، بينما ازدادت قوتها بشكل هائل، حتى أصبح طلاب المدارس الثانوية اليوم يحملون في حقائبهم قدرة حوسبة أكبر مما كان لدى وزارة الدفاع الأميركية في خمسينيات القرن الماضي.
وفي تسعينيات القرن العشرين، أدى انتشار الحواسيب الشخصية إلى نمو الإنترنت وانتشاره على نطاق واسع. وفي الوقت نفسه ظهرت الهواتف المحمولة التي كانت في بدايتها بحجم كبير يشبه الطوب، وذلك عام 1992. وبحلول عام 2006، أصبحت الهواتف الذكية الصغيرة التي يمكن وضعها في الجيب تمنح المستخدمين وصولًا فوريًا إلى معلومات العالم كله ووسائل الترفيه المختلفة، حتى أصبح عدد الهواتف الذكية المستخدمة اليوم في العالم أكبر من عدد البشر أنفسهم. ومع اقتراب الولايات المتحدة من الذكرى السنوية الـ250 لتأسيسها، فإن ثورة المعلومات التي بدأت مع ولادة البلاد لا تزال مستمرة بوتيرة أسرع واندماج أكبر من أي وقت مضى، في مشهد يؤكد أن المستقبل لا يزال يحمل تطورات أكبر بكثير مما شهده العالم حتى الآن.



