زهرة البيلسان (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


كان يعيش حياته كمن يسير داخل نفق مظلم، لا شيء يدهشه، لا شيء يلمسه، كأن قلبه أقفل كل أبوابه.
لم يكن قاسيًا بطبيعته، لكن الخيبات أحيانًا تغير ملامح الإنسان ليبدو أكثر قسوة دون أن يشعر.
لذلك اعتاد مصادقة الصمت، وإقناع نفسه أن النجاة تكون بالابتعاد عن الجميع.
ثم جاءت هي:
بهدوءٍ يشبه نسمةً عابرة، وبرائحة تشبه زهرة البيلسان بعد شتاء طويل.
لم تحاول اقتحام عالمه، ولم تكثر من الأسئلة، كانت تكتفي بالجلوس بالقرب منه، وكأنها تعرف أن شعوره بالأمان أبلغ من كثرة الكلام.
في البداية ظن أن وجودها عابر، ككل الأشياء الجميلة التي تمر سريعًا ثم تختفي.
لذلك حاول ألا يعتادها، ألا يربط تفاصيل يومه بصوتها، أو ينتظر ابتسامتها التي كانت تأتي خفيفة وتربك داخله بصمت.
لكنها، دون أن تشعر، بدأت تملأ الفراغ الذي ظلّ سنوات يحاول التعايش معه.
صارت الأشياء الصغيرة تلفت انتباهه من جديد، رائحة القهوة في الصباح، وصوت العصافير على نافذة غرفته، والسماء عند الغروب وزينة نجومها في المساء.
كأنه استعاد فرحة الحياة معها خطوة بخطوة.
أما هي:
فكانت تخفي خلف هدوئها قلبًا متعبًا أيضًا، وابتسامة تحارب الكثير من الحزن.
كانت تضحك أحيانًا بطريقة قصيرة، ثم تصمت فجأة، وهو ينظر إليها دون أن يسألها عن السبب.
ومع الأيام، أصبحت تفاصيلها تسكنه دون استئذان: الطريقة التي تجلس فيها، لمس خصلات من شعرها عند التوتر، وهدوء عينيها الذي كان يخفي عاصفة كاملة.
ومع كل يوم يمر، كان يشعر أن الوحدة لم تعد كما كانت، ولم يعد الصمت كافيًا ليخفي ما يحدث داخله.
وفي لحظةٍ هادئة، جلسا معًا تحت شرفة الغروب، حيث الألوان تتلاعب بين الذهبي والبرتقالي، وصمتٌ ممتدّ يلف المكان.
لم يكن هناك كلام، ولا حاجة له، فكل شيءٍ كان يُفهم في نظراتهما.
أدرك كلاهما أن القلب، مهما تكسر أو ابتعد، يستطيع أن يجد طريقه إلى الدفء مرة أخرى.
وأن بعض اللقاءات ليست صدفة، بل قد تكون بداية حياة جديدة، ناعمة كزهرة البيلسان، قادرة على إعادة النور حتى لأظلم النفوس.




