Contact Us
Ektisadi.com
تعليم وثقافة

الملكية الفكرية في زمن الذكاء الاصطناعي: نحو إعادة تعريف المؤلف وحدود الإبداع الرقمي

14 يونيو 2026 | 12:06 م
صورة ندوة الرابطة العربية للبحث العلمي عن ندوة الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي 11 حزيران 2026

رابط المحاضرة كاملة على يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=qIDYAYp1_ss&feature=youtu.be









في لحظة مفصلية من التحولات الرقمية العالمية، يزداد ملف الملكية الفكرية تعقيداً مع تمدد استخدامات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإبداعي، من نصوص وصور وفيديوهات وأعمال فنية. لم يعد النقاش مقتصراً على حماية المصنفات من الانتحال أو النسخ غير المشروع، بل بات يتجه نحو سؤال أكثر عمقاً: من يملك الإبداع في عصر الآلة الذكية؟

هذا السؤال كان محور ندوة علمية متخصصة نظّمتها "الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال" (AARCS)، بالشراكة مع "الملتقى العربي لكلية الإعلام واللغات التطبيقية في جامعة النهضة"، تحت عنوان: "الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي: إشكاليات وتحديات جديدة"، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والخبراء في الإعلام والقانون والتحول الرقمي، وحضور أكاديمي وطلابي لافت.

الندوة لم تقتصر على الطرح النظري، بل سعت إلى تفكيك البنية القانونية والمعرفية التي تحكم العلاقة المتوترة بين الإبداع الإنساني والخوارزميات، في ظل تسارع عالمي غير مسبوق في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته.

أولاً: السمري تضع الإطار العام للتحول التشريعي العالمي

في افتتاح الندوة، قدّمت الدكتورة هبة الله السمري، عميدة كلية الإعلام واللغات التطبيقية في جامعة النهضة ومديرة الندوة، قراءة شاملة للتحولات التي فرضها الذكاء الاصطناعي على بنية الإنتاج الإبداعي.

وأشارت إلى أن الأدوات الذكية باتت قادرة على إنتاج النصوص والصور والفيديوهات والمحتوى الفني بدرجة عالية من الدقة والسرعة، إلا أن هذا التطور يطرح كلفة قانونية ومعرفية متزايدة، إذ أعاد فتح أسئلة كانت تبدو محسومة: من هو المؤلف؟ من يملك العمل؟ وهل يمكن إسناد صفة الإبداع إلى آلة؟

وترى السمري أن الإشكالية لم تعد محصورة في حماية المصنف من النسخ، بل امتدت إلى منظومة أوسع تشمل حقوق استخدام البيانات في تدريب النماذج، وحدود الاستنساخ الرقمي، ومحاكاة الأساليب الفنية.

وفي هذا السياق، أشارت إلى أن عدداً من الدول بات يتعامل مع الذكاء الاصطناعي كواقع تشريعي قائم، حيث شرعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة والصين واليابان في تطوير أطر قانونية تنظم استخدام المصنفات المحمية في تدريب النماذج الذكية، في محاولة لتحقيق توازن بين الابتكار وحماية الحقوق.

كما لفتت إلى الدور الذي تضطلع به المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) في محاولة صياغة توافق دولي بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمبدعين حول هذا الملف شديد التعقيد.

ورغم هذا الحراك الدولي، طرحت الندوة تساؤلاً محورياً حول مدى جاهزية التشريعات العربية، ولا سيما المصرية، لمواكبة هذه التحولات، وما إذا كانت القوانين الحالية قادرة على استيعاب واقع إنتاج معرفي لم يعد بشرياً بالكامل، في ظل الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم المؤلف نفسه والملكية الفكرية في البيئة الرقمية.

ثانياً: نصر يعيد تعريف منطق "منظومة الإبداع"

من جانبه، قدّم الدكتور عصام نصر، أستاذ الإعلام في جامعة القاهرة، مقاربة نظرية تُعيد صياغة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والملكية الفكرية، مؤكداً أن التحول الجوهري يتمثل في الانتقال من حماية "المصنف" إلى حوكمة "منظومة الإبداع" بأكملها.

وبحسب هذه المقاربة، فإن النقاش لم يعد يقتصر على المنتج النهائي، بل يمتد إلى سلسلة الإنتاج كاملة: من البيانات المستخدمة في التدريب، إلى النماذج الخوارزمية، مروراً بعمليات النشر، وصولاً إلى الاستثمار التجاري.

ويطرح هذا التحول إشكالية مركزية تتعلق بملكية العمل الإبداعي: هل تعود للمستخدم الذي يكتب الأوامر النصية (Prompts)؟ أم للمطور الذي يصمم النموذج؟ أم للمنصة المالكة؟ أم أننا أمام نموذج ملكية هجينة تتوزع بين أطراف متعددة؟

كما شدد نصر على أن "بيانات التدريب" تمثل نقطة التوتر الأكثر حساسية، لأنها تقوم على أرشيف ضخم من أعمال بشرية محمية تُستخدم في تدريب الأنظمة الذكية، ما يخلق صداماً مستمراً بين مفهوم "الاستخدام العادل" وحقوق الملكية الفكرية.

وأشار أيضاً إلى أن الخطر لم يعد في النسخ المباشر فقط، بل في قدرة النماذج على محاكاة الأسلوب والبصمة الإبداعية، بما يثير تساؤلات حول مستقبل الهوية الفنية نفسها.

ثالثاً: عبد التواب يرصد الصراع القانوني حول حدود الإبداع

في مداخلة قانونية تحليلية، قدّم المهندس الدكتور زياد عبد التواب، خبير التحول الرقمي وأمن المعلومات وعضو المجلس الأعلى للثقافة، قراءة تعتبر أن الذكاء الاصطناعي أعاد فتح جذور النزاع بين القانون والتكنولوجيا.

وأوضح أن "بيانات التدريب" تمثل في جوهرها إنتاجاً بشرياً تراكمياً، يعاد توظيفه لتدريب أنظمة قادرة على إنتاج محتوى جديد، وهو ما يضع القانون أمام إشكاليات معقدة.

وأشار إلى وجود اتجاهين قانونيين متباينين: الأول يطالب بالحصول على إذن مسبق من أصحاب الحقوق مقابل تعويضات مالية، والثاني يعتبر أن هذا الاستخدام يندرج ضمن "الاستخدام العادل" (Fair Use).

وفي هذا الإطار، استعرض قضية شركة "أنثروبيك" (Anthropic) وتطبيق "كلود" (Claude)، والتي أُلزمت فيها الشركة بدفع تعويضات ضخمة بلغت 1.5 مليار دولار، باعتبارها نموذجاً على تصاعد النزاعات القضائية في هذا المجال.

أما على مستوى المخرجات، فأوضح أن الاتجاه الغالب قانونياً يميل إلى عدم منح حماية للأعمال المنتجة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي، إلا إذا كانت هناك مساهمة بشرية جوهرية تمنح العمل طابعاً إبداعياً مستقلاً.

رابعاً: ثروت يفكك مثلث النزاع القانوني

من جهته، قدّم الدكتور محمد ثروت، مدير عام تحرير مؤسسة "اليوم السابع"، تفكيكاً أكثر تفصيلاً للنقاش القانوني، مقسّماً إياه إلى ثلاثة محاور رئيسية.

المحور الأول يتعلق بالمصنفات المولدة بالذكاء الاصطناعي، حيث تميل معظم التشريعات إلى عدم منحها حماية حقوق المؤلف في حال غياب المساهمة البشرية.

أما المحور الثاني فيتعلق بملكية المخرجات، والتي تبقى محل خلاف بين نسبتها إلى المستخدم أو المطور أو المنصة، خاصة في ظل الدور المتزايد للأوامر النصية (Prompts) في تشكيل المحتوى النهائي.

في حين يتمثل المحور الثالث في بيانات التدريب، وهي الأكثر إثارة للنزاع القضائي نظراً لاعتماد النماذج على قواعد بيانات ضخمة من أعمال محمية بحقوق الملكية.

وأشار ثروت إلى أن بعض المحاكم تتجه إلى اعتبار هذا الاستخدام ضمن "الاستخدام العادل"، بينما يدعو آخرون إلى تشريعات أكثر صرامة وواضحة.

وعلى المستوى الدولي، يبرز دور المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) في السعي إلى بناء توافق عالمي، في وقت تتسارع فيه التشريعات الوطنية في عدد من الدول.

أما عربياً، فتشهد بعض الدول، مثل مصر والسعودية، تحركات لتطوير أطر تنظيمية، من بينها أدلة إرشادية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات الإبداعية.

كما أشار إلى قضايا واقعية أثارت جدلاً قانونياً، من بينها استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج محتوى ترويجي مرتبط بالمتحف المصري الكبير، إضافة إلى نقاشات حول تقنيات "NFTs" والبلوك تشين، التي أعادت طرح سؤال ملكية الفن الرقمي في سياقات جديدة.

خلاصة وتوصيات الندوة

على ضوء ما تقدم من كلمات، يمكن القول إن الندوة خلصت إلى أن إشكالية الملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد مسألة تقنية أو قانونية جزئية، بل تحوّلت إلى ملف بنيوي يمسّ جوهر مفهوم الإبداع نفسه، ويعيد طرح الأسئلة الأساسية حول المؤلف، والملكية، وحدود الاستفادة من الإنتاج البشري في تدريب الأنظمة الذكية.

وفي ضوء المداخلات العلمية والقانونية التي قدّمها المشاركون، يمكن استخلاص مجموعة من التوصيات الرئيسة:

أولاً، شددت الندوة على ضرورة الإسراع في تحديث التشريعات الوطنية، ولا سيما في الدول العربية، بما يواكب التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وبما يضمن عدم بقاء القوانين الحالية أسيرة مفاهيم تقليدية للمصنف والمؤلف لم تعد تعكس الواقع الرقمي الجديد.

ثانياً، برزت الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم "المؤلف" قانونياً، بحيث يأخذ في الاعتبار التداخل بين الإنسان والآلة، وظهور أنماط إنتاج هجينة تتشارك فيها الأطراف البشرية والخوارزميات في صناعة المحتوى الإبداعي.

ثالثاً، أوصت الندوة بضرورة وضع أطر تنظيمية واضحة لاستخدام "بيانات التدريب"، بما يحقق توازناً دقيقاً بين حماية حقوق الملكية الفكرية من جهة، وتشجيع الابتكار والتطور التكنولوجي من جهة أخرى، مع تعزيز مبدأ الشفافية في مصادر البيانات المستخدمة.

رابعاً، دعت المداخلات إلى تعزيز الدور التنسيقي للمنظمات الدولية، وفي مقدمتها المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO)، بهدف الوصول إلى توافق عالمي يقلّص الفجوات التشريعية بين الدول، ويحدّ من تضارب القوانين في الفضاء الرقمي العابر للحدود.

خامساً، أكدت الندوة على أهمية إدماج البعد الأكاديمي والبحثي في صياغة السياسات العامة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، عبر إشراك الجامعات ومراكز الأبحاث والخبراء في وضع الأطر القانونية والتنظيمية المستقبلية.

وأخيراً، خلص المشاركون إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقالاً من منطق “حماية المصنف” إلى منطق “حوكمة الإبداع”، بما يضمن الحفاظ على حقوق المبدعين، دون إعاقة التطور التقني أو كبح الابتكار في بيئة رقمية تتغير بسرعة غير مسبوقة.












رابط المحاضرة كاملة على يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=qIDYAYp1_ss&feature=youtu.be