Contact Us
Ektisadi.com
تكنولوجيا

ما وراء الذكاء الاصطناعي: استراتيجية أميركية شاملة للريادة التكنولوجية

21 يونيو 2026 | 03:38 م
Beyond AI: The Broader Technological Imperative for US Leadership

تواجه الولايات المتحدة تحديًا تكنولوجيًا يتمثل في عدم كفاية التركيز على الذكاء الاصطناعي وحده لمواجهة التقدم الصيني في قطاعات متعددة. يدعو خبراء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا إلى استراتيجية أوسع تشمل المعادن الحيوية، والتكنولوجيا الحيوية، والحوسبة الكمومية، والتصنيع المتقدم، والطائرات بدون طيار. تتطلب هذه الاستراتيجية الشاملة استثمارات طويلة الأمد في البحث والتطوير والتصنيع، مع التأكيد على أهمية الشراكات الدولية وجذب المواهب العالمية لبناء قاعدة صناعية قوية ومرنة.

في خضم التنافس المحتدم على الريادة التكنولوجية العالمية، يشير تحليل جديد إلى أن تركيز الولايات المتحدة الحصري على سباق الذكاء الاصطناعي (AI) قد لا يكون كافيًا لضمان تفوقها الشامل. لقد أمضت الصين العقدين الماضيين في بناء قدراتها الابتكارية والصناعية بأسلوب عدواني، مما أحدث تحولًا جذريًا في موازين القوى التكنولوجية. فوفقًا لتقرير بلومبيرغ، كشفت أبحاث أجراها المعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية (ASPI) عن تراجع ملحوظ في مكانة الولايات المتحدة؛ فبينما كانت تقود الصين في 61 من أصل 64 تقنية رائدة قبل 20 عامًا، تجاوزت الصين الولايات المتحدة في 57 من أصل 64 تقنية تعتبرها ASPI أولوية قبل ثلاث سنوات فقط. هذا التطور يلزم واشنطن بإعادة تقييم استراتيجيتها التكنولوجية.

تتمحور الخطة الأميركية الحالية في مجال الذكاء الاصطناعي حول إنشاء مراكز بيانات ضخمة، ودعم شراكات مؤسسية معقدة، وتوفير بيئة تنظيمية متساهلة للغاية، بالإضافة إلى فرض ضوابط على الوصول إلى الشرائح المتطورة ونماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة مثل Fable من شركة Anthropic. ومع ذلك، وكما يرى خبراء من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، فإن الذكاء الاصطناعي، على الرغم من كونه تقنية تحويلية ذات استخدامات عامة واسعة، ليس التقنية الوحيدة التي تحدد مسار السباق التكنولوجي. النجاح الحقيقي يتطلب نظرة أوسع واستثمارًا مدروسًا في قطاعات متعددة.

وفي كتاب جديد بعنوان "تقنيات الأولوية: ضمان الأمن الأميركي والرخاء المشترك"، والذي نشأ عن ندوة يقودها أعضاء هيئة التدريس في MIT، يؤكد الخبراء أن الولايات المتحدة لن تحافظ على ريادتها التكنولوجية إلا إذا أحرزت تقدمًا في مجموعة من القطاعات الأساسية. تشمل هذه القطاعات المعادن الحيوية، وأشباه الموصلات، والتكنولوجيا الحيوية، والحوسبة الكمومية، والطائرات بدون طيار، وبالتأكيد، التصنيع المتقدم الذي يدعم كل هذه التقنيات. تتطلب الاستجابة لهذا التحدي استثمارًا أكبر، لكن بطريقة ذكية تبني على القدرات الفريدة للولايات المتحدة بدلًا من محاولة محاكاة النهج الصيني المركزي والتدخلي.

تُظهر التكنولوجيا الحيوية مثالًا واضحًا؛ فالولايات المتحدة ما زالت تتصدر الابتكار العالمي في هذا المجال، لكنها تفتقر إلى القدرة التصنيعية والتمويل اللازم لتوسيع نطاق الإنتاج، مما يحول دون استثمار كامل لإمكانات قطاع يتوقع أن يولد أكثر من 4 تريليونات دولار عالميًا خلال العقد القادم. وعلى غرار ذلك، تعد الحوسبة الكمومية مجالًا حيويًا، حيث يتمثل الهدف الرئيسي في تحقيق "التفوق الكمومي"؛ أي النقطة التي تتفوق فيها الأنظمة الكمومية على أجهزة الكمبيوتر التقليدية في حل المشكلات العملية. ورغم نمو النظام البيئي للابتكار في الولايات المتحدة بمشاركة قوية من القطاع الخاص في البحث والتطوير والاستثمار في الشركات الناشئة، فإن التحدي الأكبر حاليًا هو الحفاظ على تمويل ثابت ومستمر للبحث والتطوير لتجنب ما يسمى "شتاء الكم" إذا تراجع حماس القطاع الخاص، بينما سيصبح التصنيع والتوسع مصدر قلق لاحقًا.

وفي قطاع الطائرات بدون طيار، وهي قوة حاسمة في الحروب الحديثة، تتجلى مشكلة "الابتكار هنا، التصنيع هناك" التي طالما عانت منها الصناعة الأميركية. فبينما يتم ابتكار غالبية مكونات الطائرات بدون طيار الأساسية في الولايات المتحدة واليابان وأوروبا، سيطرت الصين على تصنيعها على نطاق واسع، لتنتج ما بين 70% إلى 80% من جميع الطائرات بدون طيار عالميًا، مما يعرض الولايات المتحدة لنقاط ضعف استراتيجية. وقد ظهر هذا النفوذ الصيني بوضوح عندما أوقفت بكين شحن قطع غيار الطائرات بدون طيار لشركة Skydio الأميركية الناشئة في عام 2024. ومع ذلك، هناك مؤشرات إيجابية؛ فقد بدأ التوازن في هذا القطاع بالتحول خلال العامين الماضيين، حيث تطور في الولايات المتحدة نظام بيئي للابتكار والإنتاج الصناعي يشارك فيه القطاعان العام والخاص، مع شركاء مثل أوكرانيا التي تقود الابتكار في هذا المجال، كما أفادت بلومبيرغ الأحد عن صور التقطت لجنود أوكرانيين بطائرة اعتراضية من طراز VB140 قرب سومي في 13 يونيو 2026.

عبر جميع هذه التقنيات، تبرز الحاجة الماسة إلى قاعدة صناعية أميركية قوية ومرنة، لا تعني العودة إلى مصانع الماضي، بل الاستثمار في التصنيع المتقدم الذي تحوله التقنيات الرقمية مثل الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار، والروبوتات، والطباعة ثلاثية الأبعاد. يمثل تبني هذه التقنيات المتقدمة تحديًا ملحًا، خاصة وأن 250,000 شركة تصنيع صغيرة ومتوسطة تشكل العمود الفقري لسلاسل الإمداد الصناعية في البلاد. وتحتاج هذه الشركات بشدة إلى حوافز حكومية مثل الإعانات، والإعفاءات الضريبية، والمشتريات الحكومية لتشجيعها على تبني الابتكارات المعززة للإنتاجية، وهو ما تفتقر إليه الولايات المتحدة مقارنة بالنهج المنهجي في الصين.

إن استعادة الولايات المتحدة لموقعها التنافسي في هذه المجالات الحيوية يتطلب التزامًا متجددًا وطويل الأمد، ورؤية موسعة تشمل كل مراحل التطوير من البحث المبكر إلى التصنيع النهائي. الاستثمارات في المجالات الجديدة يمكن أن توفر الاختراقات العلمية والتكنولوجية اللازمة لمواكبة الصين أو حتى تجاوزها. كما أن توفير التمويل اللازم للتوسع وسياسات تضمن الطلب أو تساعد الشركات في العثور على أول عملائها يمكن أن يسرع من طرح المنتجات في الأسواق. هذه الاستراتيجية لا تدعو إلى الانعزالية، بل تؤكد أهمية الوصول إلى أسواق أكبر وجذب المواهب العالمية والتعاون مع الشركاء الموثوق بهم، مثل دول حلف الناتو، كمصادر رئيسية للقوة الاستراتيجية.

في الختام، بينما سيؤثر الذكاء الاصطناعي بلا شك على كيفية تطوير التقنيات وتوسيع نطاقها ونشرها في المستقبل، فإن التقدم التكنولوجي لم يعتمد ولن يعتمد أبدًا على مدخل واحد فقط، حتى لو كان بالغ الأهمية مثل الذكاء الاصطناعي. فالريادة التكنولوجية في القرن الحادي والعشرين ستذهب إلى الدولة التي تتبنى هذه الأفكار الجديدة بسرعة وتطبقها بطرق ذكية، وهذا يتطلب من الولايات المتحدة بناء أنظمة بيئية ابتكارية وصناعية نابضة بالحياة تتبنى وتنشر التقنيات الجديدة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وتدريب الجيل القادم من العمال في جميع مستويات المهارة، والاستثمار بعناية في المراكز الإقليمية المتخصصة حيث تتلاقى الابتكارات مع النظم الصناعية.