Contact Us
Ektisadi.com
إعلام وفنون

ندوة الرابطة العربية عن الخطاب الإعلامي في عصر الخوارزميات... هل ما زلنا نملك حق الاختيار؟

18 يوليو 2026 | 12:46 م
صورة الخطاب الإعلامي - سنيب

رابط الندوة كاملة على يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=X4LdkOmvyTM





في وقتٍ تتداخل فيه الحقيقة مع التضليل، وتتقاطع فيه سلطة الإعلام مع نفوذ الخوارزميات والذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence)، لم يعد السؤال المطروح كيف يُقنع الخطاب الإعلامي جمهوره، بل كيف يُعاد تشكيل وعي الإنسان في فضاء رقمي بات يتحكم بما يقرأ ويشاهد ويعتقد. هذا السؤال كان محور ندوة علمية نظّمتها الرابطة العربية للبحث العلمي وعلوم الاتصال (AARCS) بعنوان "العناصر الإقناعية في الخطاب الإعلامي: بين راديكالية ميشيل فوكو (Michel Foucault) وعقلانية يورغن هابرماس (Jürgen Habermas)"، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين.

الندوة، التي أدارتها الدكتورة هيفا سلام، شارك فيها كل من الدكتورة زكية رشيدي والدكتور زياد حمدان، بحضور رئيسة الرابطة الأستاذة الدكتورة مي العبدالله، ونائبها الدكتور هيثم قطب، إلى جانب عدد من أساتذة الجامعات والباحثين وطلاب الدراسات العليا والدكتوراه.

ولم يقتصر اللقاء الافتراضي عبر منصة "زوم" على استعراض نظريات فلسفية حول الإعلام والاتصال، بل تحوّل إلى نقاش عميق حول مستقبل الخطاب الإعلامي في ظل التحولات الرقمية، وحدود حرية الإنسان في تكوين قناعاته وسط بيئة رقمية تُدار بواسطة الخوارزميات.

استهل الدكتور زياد حمدان مداخلته بسؤال فلسفي حمل أبعاداً إعلامية وسياسية في آن واحد: "هل يقتنع الإنسان لأن الحقيقة أقوى، أم لأن الخطاب الذي يحملها أكثر قدرة على تشكيل وعيه؟".

ورأى أن هذا السؤال يعكس جوهر الأزمة المعاصرة، إذ لم تعد المشكلة في وفرة المعلومات، بل في المعايير التي تحدد ما يُعد حقيقة. فالعالم يعيش اليوم، بحسب حمدان، أزمة في إنتاج الحقيقة أكثر مما يعيش أزمة في إنتاج المعلومات، كما أن أزمة الاتصال لم تعد مرتبطة بإمكانية الوصول إلى الجمهور، بل بأخلاقيات الإقناع التي تحكم هذا الاتصال.

وأكد أن الإقناع ليس مجرد وسيلة لغوية أو مهارة خطابية، وإنما ممارسة فلسفية وأخلاقية وسياسية، تتحدد قيمتها بمدى احترامها للحقيقة والحرية والعقل، قبل أن يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: إذا كانت وسائل الإعلام والخوارزميات والذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على إعادة تشكيل الإدراك الجماعي، فكيف يمكن حماية الإنسان من الوقوع في دائرة الوهم وهو يظن أنه يمارس حريته في الاختيار؟

الإنسان كائن رمزي... واللغة تصنع العالم

ولبناء أطروحته، انطلق حمدان من رؤية الفيلسوف إرنست كاسيرر (Ernst Cassirer) الذي اعتبر الإنسان "كائناً رمزياً"، يعيش داخل شبكة من المعاني والرموز التي تمنحه القدرة على تفسير الواقع. ومن هنا يصبح الإقناع ضرورة إنسانية لإنتاج المعاني المشتركة، وليس مجرد أداة للتأثير في الآخرين.

وانتقل إلى أفكار مارتن هايدغر (Martin Heidegger) الذي وصف اللغة بأنها "بيت الوجود"، ولودفيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein) الذي رأى أن حدود اللغة هي حدود العالم، مؤكداً أن الخطاب الإعلامي لا ينقل الوقائع فقط، بل يصوغ الطريقة التي يُدرك بها الإنسان تلك الوقائع.

كما استعاد مفهوم "اللوغوس" (Logos) عند أرسطو (Aristotle) بوصفه جوهر الخطاب العقلاني، مشيراً إلى أن قوة الحجة لا تكمن في البلاغة وحدها، بل في قدرتها على تقديم تفسير منطقي قابل للنقاش والقبول أو الرفض.

وفي هذا السياق، استند إلى فلسفة يورغن هابرماس (Jürgen Habermas) الذي اعتبر أن أي قاعدة أو فكرة لا تكتسب شرعيتها إلا إذا أمكن لجميع المتأثرين بها قبولها ضمن خطاب عقلاني حر، معتبراً أن الحضارة الإنسانية نفسها قامت على الحوار والإقناع قبل أن تقوم على القوة.

في المقابل، استحضر رؤية ميشيل فوكو (Michel Foucault) الذي ربط الحقيقة بعلاقات السلطة، معتبراً أن لكل مجتمع "نظام حقيقة" خاصاً به، يحدد نوع الخطابات المقبولة، ويمنحها شرعية تمكّنها من أداء وظيفة الحقيقة داخل المجتمع.

واستكمل حمدان هذه الرحلة الفكرية بالاستناد إلى الفيلسوف بول ريكور (Paul Ricœur) الذي رأى أن الإقناع الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالآخر بوصفه ذاتاً تمتلك القدرة على الفهم والتأويل، وأن احترام حق الإنسان في الاختيار هو الشرط الأول لأي خطاب أخلاقي.

لماذا تنتصر الدعاية على الحقيقة؟

ومن الجانب الفلسفي انتقل حمدان إلى علم النفس الاجتماعي، متسائلاً: إذا كان الإنسان كائناً عاقلاً، فلماذا ينجح التضليل أحياناً أكثر من الحقيقة؟

وأوضح أن الإنسان لا يتخذ قراراته بالعقل وحده، بل بالعاطفة والخيال والانحيازات أيضاً، مستشهداً بغوستاف لوبون (Gustave Le Bon) الذي أوضح في كتابه "سيكولوجية الجماهير" أن الإنسان داخل الجماعة يتأثر بالصور والشعارات والانفعالات أكثر من البراهين العقلية.

كما استند إلى أبحاث دانيال كانيمان (Daniel Kahneman) التي بينت أن العقل يعمل وفق نظامين متكاملين؛ أحدهما سريع وحدسي يعتمد على المشاعر، والآخر بطيء وتحليلي يعتمد على التفكير المنطقي، موضحاً أن الخطاب الإعلامي غالباً ما يخاطب النظام الأول لأنه الأسرع تأثيراً في صناعة الرأي العام.

ولذلك، يرى حمدان أن معركة الإعلام المعاصر لم تعد تدور حول إقناع الجمهور بالحجج، وإنما حول توجيه انتباهه وصناعة استجاباته العاطفية، وهو ما يفسر تنامي ظاهرة الأخبار المضللة وانتشارها بوتيرة أسرع من الأخبار الدقيقة.

من الإقناع إلى "هندسة الوعي"... عندما تصنع الخوارزميات القبول

ورأى الدكتور زياد حمدان أن التحولات الرقمية دفعت الخطاب الإعلامي إلى تجاوز مرحلة الإقناع التقليدي، لينتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً تقوم على "صناعة القبول"، حيث لا يُطلب من الجمهور الاقتناع بالفكرة بعد مناقشتها، بل يُدفع تدريجياً إلى اعتبارها أمراً طبيعياً وبديهياً.

ولشرح هذه الفكرة، استعاد مفهوم "الهيمنة الثقافية" لدى أنطونيو غرامشي (Antonio Gramsci)، الذي يفسر كيف تصبح الأفكار السائدة مقبولة اجتماعياً من دون الحاجة إلى الإكراه المباشر، كما عاد إلى ميشيل فوكو (Michel Foucault) الذي ربط السلطة بالقدرة على تحديد ما يُعد حقيقة داخل المجتمع.

ومن هنا، طرح حمدان مفهوماً وصفه بأنه يمثل التحدي الأخطر أمام الإعلام المعاصر، وهو "هندسة الوعي"، معتبراً أنها الامتداد الطبيعي لتحولات البيئة الرقمية، حيث لم تعد السلطة تمارس نفوذها عبر منع الأفكار أو قمعها، بل من خلال تصميم الفضاء الذي تُنتج داخله تلك الأفكار.

وقال إن الخطر الحقيقي لا يكمن في إسكات الناس، وإنما في جعلهم يتحدثون ويتفاعلون داخل فضاء رقمي صُمم مسبقاً لتوجيه خياراتهم وتفضيلاتهم، وهو ما يجعل الإنسان يعتقد أنه يمارس حريته الكاملة، بينما تتحكم الخوارزميات بصورة غير مرئية في جزء كبير من عملية الاختيار.

وأشار إلى أن هذه التحولات تجعل من حماية حرية التفكير مسؤولية فلسفية وأخلاقية وتربوية، وليست مجرد قضية إعلامية أو تقنية، لأن مستقبل المجتمعات يتوقف على قدرة الإنسان على التمييز بين الأفكار التي اختارها بإرادته، وتلك التي صُنعت له قبل أن يختارها.

زكية رشيدي... الخطاب الإعلامي ليس نقلاً للواقع بل صراع على المعنى

من جانبها، قدّمت الدكتورة زكية رشيدي قراءة تحليلية للعناصر الإقناعية في الخطاب الإعلامي، انطلقت فيها من المنهج الذي أسسه ميشيل فوكو (Michel Foucault) في تحليل الخطاب، مؤكدة أن دراسة الرسائل الإعلامية لا ينبغي أن تتوقف عند ظاهر النصوص، بل يجب أن تمتد إلى تفكيك السياقات الفكرية والثقافية والسياسية التي تنتجها.

وأوضحت أن تحليل الخطاب يبدأ بفهم «"الذات المتكلمة" قبل الانتقال إلى فهم "البينذاتية"، أي طبيعة الجمهور الذي يتلقى الرسالة الإعلامية، لأن العلاقة بين المتحدث والمتلقي هي التي تحدد فاعلية الخطاب وقدرته على الإقناع.

واستعانت بأفكار باتريك شارودو (Patrick Charaudeau) حول "المخيال الاجتماعي" (Social Imaginary)، موضحة أن الكلمات لا تكتسب تأثيرها من معناها اللغوي فحسب، وإنما من الرموز والتصورات الجماعية التي يحملها المجتمع، وهو ما يجعل الخطاب الإعلامي أداة لإنتاج المعنى بقدر ما هو وسيلة لنقل المعلومات.

وأكدت أن الهدف النهائي للخطاب الإعلامي لا يقتصر على عرض الوقائع، بل يمتد إلى بناء الشرعية وصناعة التأثير، ولذلك فإن المنافسة بين الخطابات هي، في جوهرها، منافسة على احتكار المعنى أكثر منها منافسة على امتلاك الحقيقة.

الإيتوس والباتوس واللوغوس... ثلاثية التأثير في الخطاب الإعلامي

وفي معرض تحليلها لآليات الإقناع، تناولت رشيدي العناصر الثلاثة التي وضعها أرسطو (Aristotle) كأساس لأي خطاب مؤثر، وهي الإيتوس (Ethos) والباتوس (Pathos) واللوغوس (Logos).

وأوضحت أن الإيتوس يتمثل في الصورة التي يبنيها المتحدث عن نفسه أمام الجمهور، وهي الصورة التي تمنحه المصداقية والثقة، لكنها لا تعكس بالضرورة شخصيته الحقيقية، بل قد تكون نتاجاً لعملية بناء رمزية داخل الفضاء العمومي (Public Sphere) الذي يتشكل فيه الرأي العام.

أما الباتوس، فيقوم على استثارة المشاعر والانفعالات، وهو العنصر الأكثر حضوراً في الخطابات الدينية والسياسية والشعبوية، حيث تلعب العاطفة دوراً أساسياً في بناء التأثير الجماهيري، وقدمت مثالاً على ذلك موجات التضامن العالمية مع فلسطين التي ولدت خطاباً مضاداً انطلق من الإحساس بالظلم أكثر مما انطلق من السجال السياسي.

وفي المقابل، يعتمد اللوغوس على المنطق والحجج والأرقام والبيانات، وهو الركيزة الأساسية للخطاب الإعلامي والعلمي، غير أن هذا العنصر أصبح أكثر عرضة للتلاعب في العصر الرقمي، بعدما بات بالإمكان استخدام البيانات ذاتها لإنتاج سرديات متناقضة.

الإعلام بين المصداقية والتضليل

ورأت رشيدي أن أخطر ما يواجه الإعلام اليوم هو تراجع الثقة بالمعلومات نتيجة تطور أدوات التضليل، مشيرة إلى أن التلاعب لم يعد يقتصر على نشر الأخبار الكاذبة، بل أصبح يشمل تسميم البيانات (Data Poisoning)، وإعادة تأطير المحتوى (Reframing)، والتلاعب بالسياقات الزمنية، فضلاً عن إنتاج صور ومقاطع فيديو مزيفة باستخدام تقنيات التزييف العميق (Deepfakes) المدعومة بالذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence).

كما تناولت العلاقة المتشابكة بين استطلاعات الرأي (Opinion Polls) ووسائل الإعلام وصناع القرار، موضحة أن استطلاعات الرأي تتحول إلى مادة إعلامية تؤثر في الجمهور، بينما يعود السياسيون إلى قراءة هذا الجمهور من خلال الاستطلاعات نفسها، لتنشأ دائرة مغلقة تعيد إنتاج الرأي العام (Public Opinion) بصورة قد لا تعكس الواقع بقدر ما تسهم في تشكيله.

وحذرت من أن هذه الآليات تصبح أكثر خطورة خلال الأزمات والحروب، حيث تتحول إلى أدوات في الحرب النفسية (Psychological Warfare) تؤثر في المزاج العام، وتزعزع ثقة الجمهور بالمصادر الإعلامية، وتفتح المجال أمام انتشار السرديات المضللة بصورة غير مسبوقة.

الدروس المستخلصة والتوصيات

استناداً إلى الطروحات الفكرية والنقاشات التي شهدتها الندوة، يمكن استخلاص مجموعة من الدروس والتوصيات التي من شأنها الإسهام في تطوير الخطاب الإعلامي العربي وتعزيز قدرته على مواجهة تحديات البيئة الرقمية، وأبرزها:

  1. تعزيز التربية الإعلامية والرقمية في المدارس والجامعات، بما يمكّن الأفراد من التحقق من المعلومات والتمييز بين المحتوى المهني والمحتوى المضلل.

  2. إدماج أخلاقيات الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) والإقناع الإعلامي في مناهج الإعلام والاتصال، بما يرسخ الاستخدام المسؤول للتقنيات الرقمية ويحافظ على المعايير المهنية.

  3. ترسيخ ثقافة التفكير النقدي بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل الإعلامي، والخطابات الشعبوية، ومحاولات هندسة الوعي.

  4. تشجيع البحوث العربية متعددة التخصصات لدراسة تأثير الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في الخطاب الإعلامي، والرأي العام، وصناعة القرار.

  5. الدعوة إلى مزيد من الشفافية والمساءلة في عمل المنصات الرقمية، ولا سيما فيما يتعلق بآليات عمل الخوارزميات التي تتحكم في انتشار المحتوى وترتيبه.

  6. وضع أطر أخلاقية ومهنية تنظم استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، بما يضمن دقة المحتوى، واحترام الحقيقة، وصون المسؤولية التحريرية.

  7. تطوير أدوات عربية لرصد المحتوى المضلل والكشف عن تقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، وتسميم البيانات (Data Poisoning)، وإعادة تأطير المحتوى (Reframing).

  8. إعادة الاعتبار للفضاء العمومي (Public Sphere) بوصفه فضاءً للحوار العقلاني والتعددية واحترام الاختلاف، بعيداً عن هيمنة الخوارزميات والاستقطاب الرقمي.

  9. تعزيز الشراكة بين الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الإعلامية لتحويل المخرجات الأكاديمية إلى سياسات وممارسات إعلامية قابلة للتطبيق.

  10. التأكيد أن مستقبل الإعلام لا يرتبط بالتقدم التكنولوجي وحده، بل بقدرته على حماية حرية الإنسان في التفكير والاختيار، وترسيخ الحقيقة بوصفها قيمة أخلاقية ومجتمعية، وصون حق الجمهور في الوصول إلى معلومات موثوقة ومتوازنة.






رابط الندوة كاملة على يوتيوب: https://www.youtube.com/watch?v=X4LdkOmvyTM