عمالقة التكنولوجيا تحت المجهر: هل تبرر استثمارات الذكاء الاصطناعي الضخمة؟

تبرز مخاوف المستثمرين بشأن جدوى الإنفاق الهائل لعمالقة التكنولوجيا على الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى تراجع أسهم القطاع بعد فترة من النشوة. ومع إعلان الشركات عن نتائج أرباحها، يتزايد الضغط عليها لتبرير مئات المليارات التي يتم ضخها في مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وسط توقعات بمزيد من التقلبات. وبينما يرى البعض أن الدورة الاستثمارية لم تنته بعد، تشير المؤشرات إلى فترة من المراجعة الدقيقة لتقييمات هذه الشركات.
يتزايد الضغط على شركات التكنولوجيا الكبرى لتبرير استثماراتها الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي، في ظل تراجع واضح لحالة النشوة التي دفعت أسواق الأسهم إلى مستويات قياسية قبل شهر واحد فقط. فبعد موجة من الإنفاق غير المسبوق على تطوير مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، بات المستثمرون يطالبون بعائدات ملموسة تثبت جدوى هذه المبالغ الطائلة.
وشهد قطاع تكنولوجيا المعلومات أسوأ أداء له ضمن مؤشر S&P 500 الأسبوع الماضي، في مؤشر على تحول كبير في معنويات السوق. وقد تراجعت الأسهم التكنولوجية بشكل عام، حيث خسر مؤشر Nasdaq 100 الذي يضم أسهم التكنولوجيا الثقيلة 4.1%، بينما انخفض مؤشر S&P 500 بنسبة 1.6%. وكان لأسهم الرقائق الإلكترونية النصيب الأكبر من هذا التراجع، حيث هوى مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات (SOX) بنسبة 10%، مسجلاً أسوأ أسبوع له منذ أبريل 2025.
تستعد كبريات الشركات التقنية، بما في ذلك Tesla Inc. وAlphabet Inc.، لإطلاق موسم إعلانات الأرباح الأسبوع القادم، تليها Microsoft Corp. وMeta Platforms Inc. وApple Inc. وAmazon.com Inc. في الأسبوع الذي يليه. ستكون هذه التقارير محور اهتمام المتداولين الذين سيبحثون بدقة عن مؤشرات على أن هذه الاستثمارات الكبيرة في الذكاء الاصطناعي بدأت تؤتي ثمارها. يرى الخبراء أن رهانات السوق باتت عالية، خاصة وأن المؤشر الذي يتتبع أداء شركات "السبعة العظماء" يتباطأ حالياً عن أداء مؤشر S&P 500 هذا العام، وهو أمر نادر بالنسبة لهذه المجموعة التي قادت صعود السوق على مدار السنوات الأربع الماضية.
تتجاوز المخاوف أداء السوق العام لتصل إلى أداء شركات بعينها. فقد شهدت شركة SpaceX، على سبيل المثال، التابعة لإيلون ماسك، انخفاضاً بنسبة 15% الأسبوع الماضي بعد تراجع بنسبة 10% في الأسبوع الذي سبقه، ليهبط سعر سهمها دون سعر الاكتتاب العام الأولي، مما محا تريليون دولار من قيمتها السوقية من ذروتها. وفي هذا السياق، صرح جيك سيلتز، مدير المحافظ في Allspring Global Investments، بأن "المستثمرين يصلون إلى نقطة يشعرون فيها بعدم الارتياح إزاء حجم الأموال التي يتم إنفاقها ويقلقون بشأن فقاعة محتملة".
وتواجه شركة Alphabet، المالكة لـ Google، تدقيقاً خاصاً نظراً لتوقعات بأن يتضاعف إنفاقها الرأسمالي هذا العام ليصل إلى 187 مليار دولار، وهي تعتمد بشكل متزايد على أسواق الدين والأسهم لتمويل ذلك. وقد تعمقت مخاوف المستثمرين بسبب تقارير أفادت بأن الشركة متأخرة لأشهر عن الموعد المحدد لتسليم نموذجها الرائد للذكاء الاصطناعي Gemini 3.5 Pro، مما ساهم في تراجع أسهمها بنسبة 6.5% خلال الجلستين الماضيتين، وانخفاضها بنسبة 14% عن ذروتها في مايو، على الرغم من أنها لا تزال مرتفعة بنسبة 11% هذا العام.
أما بالنسبة لشركات التكنولوجيا العملاقة الأخرى، فقد سجلت Microsoft أسوأ شهر لها منذ عام 2000، وخسرت 19% هذا العام. وانخفضت أسهم Meta Platforms بشكل طفيف في عام 2026 على الرغم من انتعاش طفيف في يوليو مدفوعاً بالتفاؤل حول جهود تأجير سعة الحوسبة. بينما صعدت أسهم Amazon وNvidia بنسبة 7.1% و8.8% على التوالي، إلا أن أداءهما كان أقل من مؤشر Nasdaq 100.
لقد أدت هذه التطورات إلى مراجعة شاملة للتقييمات في القطاع، حيث انخفض مؤشر بلومبيرغ للشركات السبع الكبرى ليتداول عند 24 ضعف الأرباح المتوقعة للـ 12 شهراً القادمة، نزولاً من 33 في أكتوبر و29 في بداية العام. وأشار تود أهلستن، كبير مسؤولي الاستثمار في Parnassus Investments، إلى أنه "في مرحلة معينة، تُطرح الأسئلة حول الأرباح لدرجة أنه لا يمكنك وضع مضاعف مرتفع على هذه الأسهم"، متوقعاً تركيزاً أكبر على هوامش الربح الإجمالية للخدمات السحابية والتسعير والإيرادات المتولدة من الذكاء الاصطناعي مقابل كل دولار من قدرة الحوسبة.
وعلى الرغم من أن شركات مثل Taiwan Semiconductor Manufacturing Co. (TSMC) وASML Holding NV قد رفعتا توقعاتهما للإيرادات لهذا العام، إلا أن أسهم أشباه الموصلات شهدت تقلبات حادة. فبعد صعوده بنسبة 65% في عام 2026، تراجع مؤشر SOX بنسبة 20% عن ذروته الشهر الماضي، متجاوزاً عتبة السوق الهابطة. وحتى أسهم شركات الذاكرة والتخزين، التي كانت من بين الأفضل أداءً في مؤشر S&P 500 هذا العام، تراجعت بشكل حاد، حيث انخفضت Sandisk بنسبة 29% وMicron Technology Inc. بنسبة 13% الأسبوع الماضي.
في المقابل، تميزت شركة Apple Inc. بأدائها القوي، حيث حققت مكاسب بنسبة 23% هذا العام، لتكون الأفضل أداءً بين الشركات السبع الكبرى. وقد يعزى هذا النجاح إلى استراتيجيتها التي تجنبت الإنفاق الرأسمالي الضخم لصالح الشراكات لتشغيل خدمات الذكاء الاصطناعي لديها، مما جعلها ملاذاً للمتداولين الفارين من عمليات بيع أسهم الذكاء الاصطناعي، حسب تقرير بلومبيرغ.
يلخص بروك كامبل، رئيس قسم الأبحاث في BNY Investments Newton، الوضع الحالي بقوله: "نحن في فترة من القلق المتزايد في السوق، ولم تعد الشركات ذات النطاق الفائق هي محبوبة هذا القطاع"، مؤكداً أن "النقاش الرئيسي يدور حول مدة وحجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي". وتشير التوقعات إلى أن "الشركات ذات النطاق الفائق" مثل Alphabet وMicrosoft وAmazon وMeta قد تنفق مجتمعة ما يصل إلى 725 مليار دولار على النفقات الرأسمالية هذا العام، مع توقعات بارتفاع الرقم إلى ما يقرب من 900 مليار دولار في عام 2027.
ومع ذلك، لا يزال بعض المحللين يحتفظون بنظرة إيجابية. فـ سيلتز من Allspring يعتقد أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي سيستمر في الارتفاع، مدفوعاً بالطلب المتزايد على خدمات الحوسبة السحابية الذي يفوق العرض. ويرى سيلتز أن أي ضعف في السوق يمثل فرصة لإضافة مراكز استثمارية، مؤكداً أن "الدورة لم تنته بعد. أعتقد أن هناك بضع سنوات أخرى من العوائد الرائعة، ولكن سيكون هناك تقلبات ستخيف السوق من وقت لآخر."



