Contact Us
Ektisadi.com
أدب

حبٌّ بنكهةٍ عصرية (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
23 يوليو 2026 | 04:26 ص
صورة مقال حب بنكهة عصرية

كانا يلتقيان كلَّ صباحٍ عند محطةِ الحافلاتِ، لم يجمعهما حديثٌ، لكنَّ الوقتَ كان يجمعهما.
كانت الأيامُ تنسجُ لهما حكايةً صامتةً، حتى جاء اليومُ الذي جمعَهما حديثٌ عابرٌ، فتحوَّلَ العبورُ اليوميُّ إلى انتظارٍ جميلٍ، وأصبحتِ الرسائلُ الورقيةُ الصغيرةُ التي يخبئُها كلٌّ منهما للآخرِ أجملَ من أيِّ هديةٍ.

كانا يحلمانِ بمستقبلٍ واعدٍ، لكنَّ الحياةَ كثيرًا ما تكتبُ فصولَها بعيدًا عن رغباتِ العاشقين.
اضطرَّ هو إلى السفرِ مع أسرتِه بحثًا عن عملٍ، بينما انتقلتْ هي إلى العيشِ في مدينةٍ أخرى، وانقطعتْ كلُّ وسائلِ التواصلِ بينهما. لم تكنِ الهواتفُ المحمولةُ قد انتشرتْ، ولا الإنترنتُ قد دخلَ البيوتَ، فضاعتِ العناوينُ، وتبدَّلتْ أرقامُ الهواتفِ، وابتلعَ الزمنُ كلَّ خيطٍ يمكنُ أن يقودَهما إلى بعضِهما.

مرَّتِ السنواتُ...
وسرقتْ منهما الحياةُ ما كانا يطمحانِ إليه، وعاشَ أيامَه بين العملِ والذكرياتِ التي كان يظنُّ أنها ماتتْ، لكنها كانت نائمةً فقط في مكانٍ عميقٍ من القلبِ.

وفي إحدى أمسياتِ الشتاءِ، وبينما كانت تتصفَّحُ موقعًا للتواصلِ الاجتماعيِّ، ظهر أمامها اسمٌ لم تره منذ أكثرَ من عشرين عامًا. توقفتْ يدُها عن الحركةِ، وحدَّقتْ في الصورةِ طويلًا. تغيَّرتِ الملامحُ، وغزا الشيبُ الرأسَ، لكنَّ العينينِ بقيتا كما تعرفُهما.

تردَّدتْ كثيرًا قبل أن تضغطَ على زرِّ "إرسال طلب صداقة". سألتْ نفسَها: أَيُمكِنُ أن يكونَ هو؟ وهل يذكرُني بعد كلِّ هذه السنينَ؟

بدأ الحديثُ بكلماتٍ رسميَّةٍ، ثم تحوَّل إلى ضحكاتٍ، ثم إلى ذكرياتٍ كانت محفوظةً في الذاكرةِ بتفاصيلَها الصغيرةِ: محطةُ الحافلاتِ، الرسائلُ الورقيةُ، المقعدُ الخشبيُّ في الحديقةِ، وحتى فنجانُ القهوةِ الذي جمعَهما لأولِ مرَّةٍ.

سادَ الصمتُ لحظاتٍ، وكأنَّ كلًّا منهما كان يخشى أن يُوقِظَ الذكرياتِ دفعةً واحدةً. كانا يكتبانِ، ثم يمسحانِ الكلماتِ، ويعيدانِ صياغتَها مراتٍ عديدةٍ، فبعضُ المشاعرِ لا تتقنُها لوحةُ المفاتيحِ كما كانت تتقنُها الرسائلُ الورقيةُ.

وذاتَ مساءٍ قرَّرا أن يلتقيا بعد كلِّ تلك السنواتِ. اختارا المقهى نفسَه. وصل قبل الموعدِ بدقائقَ، يحملُ في قلبِه ارتباكَ الشابِّ نفسِه، رغم أنَّ الشيبَ كان قد غزا رأسَه.

تحدَّثا طويلًا عن تلك الأيامِ التي مضتْ، عن الرسائلِ التي كانت تُكتَبُ بخطِّ اليدِ وتُقرَأُ عشراتِ المراتِ قبل أن تُطوى بعنايةٍ داخلَ كتابٍ أو جيبِ معطفٍ. ضحكا على أحلامِهما الصغيرةِ، وعلى خوفِه من الاعترافِ بحبِّه، وعلى خجلِها الذي كان يفضحُه احمرارُ وجهِها كلَّما التقتْ عيناه.

وبينَ الحديثِ والذكرياتِ، كان كلٌّ منهما يحدِّقُ في الآخرِ، محاولًا أن يعثرَ بين ملامحِ الزمنِ على ذلك الشابِّ وتلك الفتاةِ اللَّذين ترَكَهما القدرُ في منتصفِ الطريقِ. لم يكنِ العمرُ قد سرقَ منهما سوى السنواتِ، أما المشاعرُ فكانت لا تزالُ تحتفظُ بحرارتِها الأولى.

ليُدرِكا بعدَها أنَّ الحبَّ الحقيقيَّ لا يُقاسُ بعددِ الأيامِ التي قضاها العاشقانِ معًا، بل بعددِ السنواتِ التي بقيَ فيها كلٌّ منهما يحملُ الآخرَ في قلبِه دونَ أن يراه. فبعضُ اللقاءاتِ لا يصنعُها الزمنُ، ولا التكنولوجيا... بل يكتبُها اللهُ حين يرى أنَّ القلبينِ أصبحا مستعدَّينِ ليُكمِلا الحكايةَ من حيثُ توقفتْ، لا من حيثُ انتهتْ.