برامج البكالوريوس لثلاث سنوات تتوسع في الولايات المتحدة وسط جدل بشأن قيمة الشهادة

تتوسع برامج البكالوريوس الممتدة لثلاث سنوات في الولايات المتحدة، الاثنين، مع إتاحة عدد متزايد من الكليات مسارات دراسية تتطلب ساعات معتمدة أقل من برامج السنوات الأربع التقليدية، في وقت يرى مؤيدوها أنها تساعد على خفض تكلفة الدراسة وتسريع التخرج، بينما يحذر منتقدون من تأثيرها المحتمل في فرص الدراسات العليا ومتطلبات التراخيص المهنية وقبول أصحاب العمل، وفق وكالة "أسوشييتد برس".
وبحسب مجموعة "راند" البحثية غير الربحية، كانت 26 ولاية أميركية تضم، حتى ربيع 2026، كلية واحدة على الأقل تقدم برنامج بكالوريوس منخفض الساعات يمتد لثلاث سنوات.
ويرى مؤيدو هذه البرامج أنها تمثل حلاً لمشكلة ارتفاع تكاليف التعليم الجامعي، كما توفر خياراً للطلاب غير التقليديين الذين لا يستطيعون الابتعاد عن سوق العمل لمدة أربع سنوات.
ومن بين هؤلاء جايلز سيمز، البالغ 34 عاماً، وهو مطور مواقع إلكترونية فقد وظيفته وكان يواجه صعوبة في الحصول على وظائف بسبب عدم امتلاكه شهادة جامعية. ومع حاجته إلى المساهمة في إعالة زوجته ووالدته الأرملة، اختار الالتحاق ببرنامج بكالوريوس مدته ثلاث سنوات في كلية "إنساين" الخاصة في سولت ليك سيتي، التي خفّضت أخيراً عدد المقررات المطلوبة في جميع برامج البكالوريوس لديها.
وقال سيمز إنه لا يستطيع تحمل البقاء خارج سوق العمل لمدة أربع سنوات، معتبراً أن خيار السنوات الثلاث جعل الحصول على الشهادة أقل صعوبة بالنسبة إليه.
مخاوف بشأن قيمة الشهادة
في المقابل، يخشى منتقدو البرامج الجديدة أن يؤدي تقليص المتطلبات إلى تضييق نطاق ما يتعلمه الطلاب، وإرباك أصحاب العمل، والحد من خيارات الدراسات العليا، إضافة إلى إثارة مشكلات في التخصصات التي تتطلب تراخيص مهنية على مستوى الولايات.
وترى الجمعية الأميركية لأساتذة الجامعات أن هذه البرامج تقلل من قيمة الشهادة الجامعية. وقال رئيس الجمعية تود وولفسون إن الأمر لا يمثل ابتكاراً، بل اختصاراً لمتطلبات الدراسة.
90 ساعة بدلاً من 120
وتختلف البرامج الجديدة عن برامج الدراسة المعجلة التي تقدمها الكليات الأميركية منذ عقود، إذ كانت تلك البرامج تسمح للطلاب بالتخرج بصورة أسرع من خلال الاستغناء عن العطلات الصيفية الطويلة، والاستفادة القصوى من الساعات المحولة، وضغط المقررات الفصلية في فترات أقصر تتراوح بين خمسة و10 أسابيع، مع الحفاظ على العدد نفسه من الساعات المعتمدة.
أما البرامج الجديدة فتتيح للطلاب التخرج بعد إكمال ما يصل إلى 90 ساعة معتمدة فقط، ما يختصر عاماً من برنامج البكالوريوس التقليدي الذي يتطلب عادةً 120 ساعة.
وتُعد شهادات البكالوريوس الممتدة لثلاث سنوات شائعة في دول عدة، بينها المملكة المتحدة والهند وفرنسا وإيطاليا، لكنها قد تسبب تعقيدات لخريجيها عند التقدم إلى بعض برامج الدراسات العليا في الولايات المتحدة، التي قد تطلب استكمال مقررات إضافية.
وكانت بعض الكليات الأميركية الأولى في الحقبة الاستعمارية، والتي استندت إلى نماذج مؤسسات إنكليزية مثل جامعتي "أكسفورد" و"كامبريدج"، تقدم في البداية شهادات مدتها ثلاث سنوات، بحسب جون ثيلين، مؤلف كتاب "تاريخ التعليم العالي الأميركي".
وبحلول القرن التاسع عشر، أصبح نموذج السنوات الأربع هو السائد، ويرجع ذلك جزئياً إلى عدم وجود نظام راسخ للمدارس الثانوية العامة في ذلك الوقت لإعداد الطلاب للدراسة الجامعية، بحسب ثيلين.
تغييرات الاعتماد تفتح الباب أمام البرامج المختصرة
وحظيت فكرة إعادة برامج البكالوريوس الممتدة لثلاث سنوات إلى الولايات المتحدة باهتمام في 2009، عندما طرح روبرت زيمسكي، المدير المؤسس لمعهد أبحاث التعليم العالي في كلية الدراسات العليا للتعليم بجامعة بنسلفانيا، الفكرة باعتبارها وسيلة لإحداث تغيير في نظام التعليم الجامعي.
لكن متطلبات جهات الاعتماد شكلت عائقاً أمام تطبيقها، إذ كانت تعتبر أن شهادة البكالوريوس تتطلب 120 ساعة معتمدة وليس 90 ساعة.
وفي 2022، ومع تصاعد المخاوف بشأن القدرة على تحمل تكاليف التعليم الجامعي، ساهم زيمسكي في إحياء الفكرة من خلال مبادرة "College-in-3 Exchange"، التي انضمت إليها عشرات مؤسسات التعليم العالي لدراسة سبل مساعدة الطلاب على الحصول على شهاداتهم بصورة أسرع.
وفي 2023، أصبحت لجنة الشمال الغربي للكليات والجامعات أول جهة اعتماد توافق على برامج منخفضة الساعات في كلية "إنساين" وجامعة "بريغهام يونغ – أيداهو"، قبل أن تحذو جهات اعتماد أخرى حذوها.
وبحلول أيار/مايو 2026، بلغ عدد برامج البكالوريوس منخفضة الساعات التي أُعلن عنها 119 برنامجاً، وفق تحليل أجرته "راند" لمساعدة مسؤولي التعليم في ولاية أوهايو على دراسة جدوى هذه الشهادات.
ارتفاع تكاليف التعليم
ويأتي انتشار البرامج في وقت بلغ فيه متوسط الرسوم الدراسية والتكاليف خلال العام الدراسي الماضي 11,950 دولاراً للطلاب المحليين في المؤسسات الحكومية، مقابل 45 ألف دولار في المؤسسات الخاصة غير الربحية، مع حصول العديد من الطلاب على خصومات تقلل التكلفة الفعلية، وفق تقرير صادر عن مؤسسة "كوليدج بورد" غير الربحية، التي تشرف على اختبار "SAT".
وتقدم المؤسسات الخاصة غير الربحية نحو ثلاثة أرباع برامج البكالوريوس منخفضة الساعات، وغالباً ما تكون متاحة عبر الإنترنت.
وتعمل هذه البرامج عادةً على تقليص عدد المواد الاختيارية، فيما تُعد تخصصات الأعمال، مثل التسويق والإدارة، الأكثر انتشاراً، تليها علوم الكمبيوتر والمعلومات.
في المقابل، يصعب تقليص بعض التخصصات مثل الهندسة بسبب متطلباتها الواسعة في الرياضيات. كما رصد تحليل "راند" ستة برامج منخفضة الساعات فقط في مجال إعداد المعلمين، الذي يتطلب خبرة عملية وشروطاً للحصول على تراخيص رسمية.
التراخيص المهنية تثير تساؤلات
وتُعد البرامج المرتبطة بتراخيص الولايات من أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى جينا كرامر، الباحثة في السياسات لدى "راند".
وقالت جامعة "إنديانا ويسليان"، التي توسع برامجها منخفضة الساعات، إن برامج التعليم لديها مصممة خصيصاً لتلبية متطلبات الترخيص في ولاية إنديانا، فيما يتعين على الطلاب في الولايات الأخرى التأكد من توافقها مع شروط الترخيص في ولاياتهم.
وتدرس جيل كوهين، البالغة 42 عاماً والمقيمة في منطقة ريفية في يودر بولاية كولورادو، للحصول على شهادة في التعليم عبر أحد هذه البرامج في جامعة "إنديانا ويسليان".
وانتقلت كوهين إلى التدريس بعد ترك عملها السابق في بيع التأمين على الحياة، وهي تعمل حالياً في تدريس اللغة الإنكليزية لطلاب المرحلة المتوسطة بالتزامن مع استكمال دراستها من خلال برنامج خاص يهدف إلى معالجة نقص الكوادر.
غياب معايير موحدة للدراسات العليا
ووجد تقرير "راند" أيضاً أن البرامج لا تزال حديثة إلى درجة لا توجد معها ممارسات موحدة لقبول حاملي شهادات السنوات الثلاث في برامج الدراسات العليا.
ويواجه طلاب المحاسبة تساؤلات مماثلة، إذ تختلف متطلبات الحصول على ترخيص المحاسب القانوني المعتمد بين الولايات. وتشترط ولايات عديدة إكمال 120 ساعة فصلية للتقدم إلى الاختبار و150 ساعة للحصول على الترخيص، ما قد يستدعي متابعة الدراسة بعد التخرج.
وأشار ويسلي هاردي، البالغ 22 عاماً والذي يدرس المحاسبة التطبيقية في كلية "إنساين"، إلى أنه يقدّر إمكانية دخول سوق العمل بصورة أسرع، لكنه يتساءل في الوقت نفسه عما إذا كان سيحتاج إلى مقررات إضافية إذا قرر الحصول على الترخيص المهني أو متابعة الدراسات العليا.
وبحسب "أسوشييتد برس"، يقر بعض الطلاب بأن اختيار المسار المختصر ينطوي على قدر من المخاطرة. وتقدّر غابرييلا ستاتن، البالغة 20 عاماً والتي تدرس التسويق الرقمي في جامعة "ماونت ماري" في ميلووكي، أنها ستوفر ما لا يقل عن 20 ألف دولار من خلال البرنامج، رغم تساؤلاتها بشأن مدى تعامل أصحاب العمل مع شهادة السنوات الثلاث بالجدية نفسها التي تحظى بها شهادة السنوات الأربع.
وقالت ستاتن إنها تعتقد أنها تستطيع إثبات قدراتها من خلال عملها حتى في حال نظر بعض أصحاب العمل إلى مسار السنوات الثلاث بصورة أقل إيجابية.




