اتساع اضطرابات الشرق الأوسط يضغط على إمدادات النفط العالمية

تزايدت الضغوط على إمدادات النفط العالمية، الأحد، بعدما وسّع الحوثيون المدعومون من إيران سيطرتهم على مناطق استراتيجية قرب مضيق باب المندب في اليمن، ما وضع ثاني ممر حيوي للطاقة في الشرق الأوسط تحت نفوذ إيران وحلفائها، بالتزامن مع الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".
وسيطر الحوثيون خلال هجوم سريع الأسبوع الماضي على أراضٍ رئيسية محيطة بباب المندب، من بينها مدينة المخا الساحلية الاستراتيجية وجزيرة بريم الواقعة وسط المضيق، ما عزز قدرتهم على التأثير في حركة الملاحة عبر أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
وقالت الصحيفة إن التطورات في اليمن تزيد المخاطر التي تواجه إمدادات الطاقة العالمية، بعدما أدت الحرب الأميركية مع إيران إلى توسيع دائرة النزاعات في المنطقة، بما شمل اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل و"حزب الله" في لبنان ودخول فصائل عراقية على خط المواجهة.
وبات مضيقا هرمز وباب المندب، وهما من أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم، عرضة بدرجات متفاوتة لنفوذ إيران وحلفائها، ما يقلص الخيارات الآمنة أمام السعودية، إحدى أكبر الدول المصدرة للنفط عالمياً، لنقل صادراتها إلى الأسواق الدولية.
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين إيرانيين قولهم إن الحرب لن تنتهي وإن طرق الشحن لن يعاد فتحها بالكامل قبل تسوية النزاعات الإقليمية، في وقت تواجه فيه دول الخليج احتمال استمرار الصراع فترة طويلة.
وقال الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية "RUSI" إتش. إيه. هيلير إن التطورات "ليست مجرد قصة يمنية"، معتبراً أن استراتيجية واشنطن تجاه إيران اعتمدت على ممارسة ضغوط عسكرية واقتصادية مباشرة مع افتراض إمكان إبقاء بقية المنطقة تحت السيطرة.
وتأتي التطورات في وقت تواجه فيه القوات الأميركية ضغوطاً متزايدة نتيجة مرافقة ناقلات النفط عبر الخليج وفرض حصار على الموانئ الإيرانية، فيما أرجأت عُمان، الأحد، اجتماعاً كان مقرراً الاثنين بين دول خليجية ومسؤولين إيرانيين وعُمانيين لبحث الخلاف المتعلق بمضيق هرمز.
وبحسب الصحيفة، أجرى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصالاً بالرئيس الأميركي دونالد ترامب الأسبوع الماضي في محاولة للحصول على دعم أميركي في المواجهة مع الحوثيين، فيما قدمت الولايات المتحدة معلومات استخباراتية ومساعدة في تحديد الأهداف وأرسلت عشرات المستشارين العسكريين إلى السعودية، من دون المشاركة في الهجمات.
وكانت الولايات المتحدة قد نفذت في وقت سابق من ولاية ترامب الثانية حملة قصف استمرت 53 يوماً ضد الحوثيين قبل انتهائها بوقف لإطلاق النار، فيما تسعى واشنطن حالياً إلى تجنب فتح جبهة إضافية مع تعرض مخزوناتها من صواريخ الاعتراض والأسلحة الدقيقة لضغوط متزايدة.
وتصاعدت المواجهات في اليمن بعدما قصفت قوات مرتبطة بالسعودية مدرجاً في تموز/يوليو لمنع طائرة إيرانية من الهبوط في صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في ظل حصار جوي تقوده الرياض، ما دفع الجماعة إلى إعلان حصار بحري على السفن السعودية في البحر الأحمر والمطالبة بإنهاء الحصار الجوي، وفق "وول ستريت جورنال".
وفي الشهر الماضي، كثف الحوثيون عملياتهم للسيطرة على مناطق بمحاذاة باب المندب، وحشدوا آلاف المقاتلين حول مدينة المخا قبل السيطرة عليها الخميس، ثم استولوا في اليوم التالي على جزيرة بريم الاستراتيجية.
وأفادت الصحيفة بأن تقدم الحوثيين استفاد أيضاً من قدرتهم على اعتراض اتصالات القوات المدعومة من السعودية، ما أتاح لهم الاطلاع على تحركات خصومهم والتواصل مباشرة مع مقاتلين على الأرض ودعوتهم إلى الاستسلام، الأمر الذي تسبب بحالة من الارتباك في صفوف القوات المقابلة.
وتزامن تقدم الحوثيين مع مزيد من الاضطرابات في طرق نقل الطاقة، إذ تعرضت سفينة لضربة أثناء عبورها مضيق هرمز في وقت مبكر الأحد، ما أدى إلى اندلاع حريق وإجلاء طاقمها، بعد سلسلة هجمات حوثية على منشآت طاقة سعودية خلال الأسبوع الماضي وهجوم على خط أنابيب الشرق–الغرب السعودي قالت المملكة إنه انطلق من العراق.
وقال الباحث المتخصص في اليمن والخليج لدى مركز "نيو أميركا" آدم بارون إن إيران وشبكتها الإقليمية باتتا تملكان نفوذاً على اثنين من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية، ما يمنحهما "درجة كبيرة من أوراق الضغط".
وأثرت الاضطرابات بالفعل في صادرات وإنتاج النفط السعودي. وبحسب بيانات وكالة الطاقة الدولية التي أوردتها "وول ستريت جورنال"، تراجعت صادرات الخام السعودية عبر مينائها الرئيسي على البحر الأحمر إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً في آب/أغسطس، مقارنة بـ4.6 ملايين برميل يومياً في تموز/يوليو.
كما انخفض إنتاج المملكة إلى نحو 6 ملايين برميل يومياً في آب/أغسطس، مقابل متوسط بلغ نحو 9.4 ملايين برميل يومياً خلال العام الماضي، وفق الوكالة.
وتختلف التقديرات بشأن مدى توجيه إيران للهجوم الحوثي، إذ يرى بعض المسؤولين والمحللين أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة إقليمية مرتبطة بطهران، بينما يشير آخرون إلى امتلاك الحوثيين أهدافاً وحسابات مستقلة.
وتكمن أهمية باب المندب في موقعه عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، إذ يشكل ممراً أساسياً للسفن المتجهة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر وقناة السويس. وفي المقابل، يمثل مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات النفط والغاز من عدد من دول الخليج، ما يجعل اضطراب الممرين في وقت واحد خطراً مباشراً على حركة تجارة الطاقة وأسعار الشحن والإمدادات العالمية.
وترى محللة شؤون الشرق الأوسط دينا إسفندياري أن الحرب مع إيران وفرت بيئة أتاحت للجماعات المسلحة في المنطقة استغلال التطورات لتحقيق أهدافها الخاصة، ما يزيد تعقيد النزاعات المترابطة ويصعّب التوصل إلى تسوية سريعة تعيد الاستقرار إلى طرق الطاقة في المنطقة.




