في داخلي شيءٌ منك لا أعرفه (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


كانت تظنّ أنّ الحبّ هو أن تجد شخصًا يعرف كيف يلمس الأماكن التي لم يستطع أحدٌ الوصول إليها في روحك. وكان هو يفعل ذلك ببراعة. كان يعرف متى يصمت كي يسمعها، ومتى يتكلّم كي يطمئنها، وكيف يحوّل يومها العادي إلى ذكرى تنتظر تكرارها.
كان يفرش لها الأرض ورودًا، لا بالمعنى الحرفي دائمًا، بل بتلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل المرأة تشعر أنّها ليست عابرة في حياة أحد، وأنّ وجودها يستحقّ كلّ هذا الاهتمام. كان ملجأها الوحيد حين يخذلها الجميع، يعرف كيف يرمّم حزنها بكلمة، وكيف يجعلها تشعر أنّها أجمل ما حدث في هذا العالم.
أحبّها بطريقة جعلتها تطمئنّ إليه، وتفتح له أبواب قلبها التي أغلقتها طويلًا، وكان يعدها بأنه لن يكون يومًا سببًا لدمعة تسقط من عينيها. وصدّقته. لكنّ الأمور تغيّرت، وتغيّر معها.
صار الرجل الذي تنتظر منه المواساة هو نفسه من يتركها وحيدة في حزنها. بردت كلماته، وغدا اهتمامه غريبًا، وأصبح وجوده أشدّ إيلامًا من غيابه.
لم تفهم متى حدث ذلك، ولا كيف استطاع شخصٌ أن يكون وطنها يومًا، ثم يصبح غريبًا لا تعرف كيف تحدّثه. ومع ذلك، لم تستطع أن تكرهه. كانت تشتاق إليه بطريقة لا تريد الاعتراف بها، لا لأنه ما زال الرجل الذي أحبّته، بل لأنها لم تستطع أن تفهم كيف أصبح غريبًا إلى هذا الحدّ؛ كيف تحوّلت يداه اللتان كانتا تمسحان خوفها إلى يدين لا تعرفان كيف تحتضنان وجعها.
كانت تتمنّى لو أنّها تستطيع أن تفصل الرجل الذي أحبّته عن الرجل الذي خذلها، أن تحتفظ بالأوّل في زاويةٍ آمنة من ذاكرتها، وتترك الثاني يمضي دون أن يلتفت قلبها خلفه.
لكن كيف للذكريات أن تنفصل عن أصحابها؟ كانت تعيده إليها بين الغفوة واليقظة، بابتسامته القديمة، وبصوته الذي كان يطمئنها، وبوعوده التي صدّقتها يومًا كأنها حقائق لا تتبدّل. ثم تعيده إليها غريبًا، باردًا، لا يشبه الرجل الذي خبّأت قلبها بين يديه.
كانت تتساءل كيف استطاع أن يترك فيها كلّ هذا الحنين، ثم يمضي وكأنّه لم يكن يومًا كلّ شيء. ولم تكن تعرف أنّ أصعب أنواع الفقد هو أن تشتاق إلى شخصٍ لم تعد ترغب في عودته، وأن يظلّ في داخلك شيءٌ منه، رغم أنّك لم تعودي تعرفين عنه شيئًا. وهكذا، مضى هو، وبقي في داخلها شيءٌ منه لا تعرفه؛ شيءٌ لم يعد حبًّا، ولم يصبح نسيانًا، بل حنينًا صامتًا إلى رجلٍ كان يومًا كلّ شيء، ثم صار غريبًا لا تعرف عنه شيئًا.




