مكتبة شمص في بعلبك.. ثمانون عامًا تروي الصمود









من أرشيف المكتبة
تقرير: أحمد شرف الدين
ليست مجرد رفوف كتب؛ لطالما كانت مكتبة شمص ذاكرةً حيّة. ثمانون عامًا من العطاء، وثمانون عامًا من التجميع والتصنيف والحفظ، حتى صارت مقصدًا لكل لبنان. من جميع أنحاء البلاد، كان الباحث عن كتاب نادر لا يجده في مكان آخر يعرف طريقه جيدًا: "شمص".
على هامش زيارة ميدانية قمنا بها إلى المكتبة، كان لنا لقاء خاص مع مسؤول قسم المهني والقرطاسية، الأستاذ أحمد دبوس، الذي فتح لنا، في تصريح خاص لـ"إقتصادي.كوم"، صفحات من تاريخ لم يعد موجودًا اليوم إلا بين طيّات الذاكرة.
مكتبة داخل مكتبة
يقول دبوس إن المكتبة، إلى جانب خدماتها المألوفة التي تقدمها أي مكتبة من كتب مدرسية وقرطاسية ومستلزمات طلابية، كانت تضم جناحًا خاصًا يشكل الروح الحقيقية للمكان. آلاف الكتب بمختلف العناوين العلمية والأدبية والدينية والسياسية والاقتصادية وغيرها، ولكافة الفئات والأعمار. مكتبة داخل مكتبة، وأرشيف من المخطوطات والقواميس النادرة والكتب التي يصعب إيجادها أينما كان. كانت تلك الغرفة مقصدًا للباحثين والقراء والجامعيين وكنزًا من المعلومات بكل ما للكلمة من معنى.
عدوان يستهدف الذاكرة
يقول دبوس بصوت يختلط فيه الأسى بالحسرة: "للأسف، هذه الغرفة لم يتبق منها إلا بعض رفات ورق محروق". عدوان إسرائيلي استهدف المبنى، فحوّل المخزون الهائل إلى رماد. الخسائر المادية كبيرة، يقول، لكن الخسارة الكبرى لا تقاس بالمال. فما ضاع هو تاريخ وأرشيف، مخطوطات ذهبت في "مهب الريح"، كما وصفها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يروي دبوس (أبو أديب)، وهو من أعمدة المكتبة الحيّة، كيف جمع ما تبقى من أهم وأقدم قواميس اللغة ورقةً فوق ورقة، تلك القواميس التي لا تقدر بثمن، و وزعها على مدارس المنطقة. لم يكن توزيعًا عاديًا؛ كان محاولة أخيرة لحفظ ما يمكن حفظه، ولحماية قيمتها المادية التي تآكلت بفعل النيران، ناهيك عن قيمتها المعنوية لما تحويه من علوم ولغة وتاريخ.
اليوم، عادت المكتبة لتضمّد جراحها. واجهاتها عادت ورفوفها امتلأت من جديد، لكن التركيز اختلف. اليوم، العمل الأساسي يتركّز على الكتب المدرسية والمستلزمات القرطاسية وخدمة الطالب والمدرسة، بكلام آخر، على الاستمرار. وهنا تبرز المفارقة. فمكتبة شمص هي من المكتبات القليلة التي تملك رقمًا ماليًا رسميًا، أي أنها مؤهلة قانونًا للتعاطي والتعاون مع الجمعيات المحلية والدولية والمؤسسات الثقافية من جهة، ومن ناحية أخرى مع أي طرف معني بصون التراث. وبالتالي، هي ليست كيانًا هامشيًا، بل مؤسسة عريقة قائمة بذاتها.
سؤال لم يجد مجيب
سألنا الأستاذ دبوس عن سبب عدم سعي المكتبة لعرض ما تبقى من أرشيفها وتوثيق ما كان لديها من خزين هائل، وطرحه أمام جمعيات مختصة لإبراز قيمتها أمام المجتمع الأدبي والثقافي الدولي ولتوثيق الجريمة المرتكبة بحقها، فكان جوابه مؤلمًا بقدر ما هو صادق: "من يفقد الثمين الذي يخبئه لا يسأل عن التفاصيل". ويضيف أنه حتى اليوم لم يتواصل أحد من المعنيين مع المكتبة، لا جمعية ولا مؤسسة، رغم أنها ما زالت، بالتوازي مع عملها اليومي، تسعى لتقديم ما تبقى من تاريخ أثخنته الشظايا لكل من يحتاج إليه.
مكتبة شمص اليوم مستمرة. تبيع الكتاب المدرسي، كما الأقلام والدفتر، انطلاقًا من أن العلم و الثقافة لا حدود لهما، خاصة أن المثابرة والاستمرارية والعطاء ميّزت أصحاب المكتبة والعاملين فيها، وأبرز ما تجلى ذلك في جهودهم الاسثنائية لرفع الركام بأدوات البدائية من أجل البقاء وتعبيرًا عن رفضهم فكرة الانكسار. لكن خلف هذه الرفوف الجديدة، ثمة غرفة محروقة وتاريخ يحاول أن يتنفس من تحت الرماد. تاريخ ينتظر من يسمعه، من يوثقه، ومن يعيد إليه بعضًا من حقه.
فهل من مجيب؟




