هبوط الذهب 9% والفضة 27% في أسبوع يكشف مخاطر ازدحام الصفقات

في مرحلة من وول ستريت تتّسم بازدحام المستثمرين خلف الصفقات الرائجة وزخم المتداولين الأفراد، أظهرت تحركات هذا الأسبوع مدى السرعة التي يمكن أن تتبخّر بها القناعات الاستثمارية، بحسب ما أفادت به Bloomberg يوم الجمعة.
وشهدت الأسواق تقلبات حادّة بمليارات الدولارات خلال فترة وجيزة، مع تعثّر أكثر الصفقات شعبية، في ظل تمركز كثيف للمستثمرين ترك هامشًا ضيقًا للغاية لأي خطأ، وفق بلومبيرغ.
وكانت المعادن الثمينة الخاسر الأكبر؛ إذ سجّل الذهب أشد تراجع له منذ عقود، فيما تكبّد الفضة أكبر انخفاض في تاريخها. وبالمقارنة، بدت استراتيجيات إجماعية أخرى — مثل الرهانات ضد الدولار، والتفاؤل بأسواق الأسهم خارج الولايات المتحدة، والصفقات المفضّلة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أقل اضطرابًا.
ورغم أن تقلبات المعادن الثمينة كانت الحدث الأبرز هذا الأسبوع، فإنها حملت رسالة أوسع: عندما تتحوّل الصفقات إلى قناعات راسخة لدى الجميع، فإن أي تغيّر طفيف قد يُحدث تحركات مبالغًا فيها.
وكانت مؤشرات الازدحام واضحة قبل انهيار الأسعار. فقد أظهر استطلاع Bank of America لمديري الصناديق في يناير أن الرهان على الذهب كان الصفقة الأكثر ازدحامًا في الأسواق العالمية. وبلغ الطلب على المعدن مستوى دفعه إلى التداول عند علاوة بلغت 44% فوق خط اتجاهه طويل الأجل وهي فجوة لم تُسجّل منذ عام 1980.
وقال كبير استراتيجيي الأسواق في Truist Advisory Services، كيث ليرنر: «الإجماع يكون دائمًا على صواب… إلا عند الوصول إلى الحالات القصوى».
وقد اختبر هذا الأسبوع حدود ذلك الإجماع.
فقد سجّل مؤشر الدولار يوم الجمعة أكبر مكاسب يومية له منذ مايو، موجّهًا ضربة قوية للرهانات السلبية على العملة الأميركية، في حين سجّلت أسهم الأسواق الناشئة أسوأ أداء لها منذ الشهر نفسه مقارنة بالأسهم الأميركية. وبدأت التشققات بالظهور صباح الخميس، عندما تراجعت أسعار الذهب والفضة بأكثر من 7% خلال نحو 30 دقيقة قبل أن ترتد.
وتسارع البيع يوم الجمعة عقب إعلان الرئيس الأميركي Donald Trump ترشيح Kevin Warsh لرئاسة Federal Reserve. ورغم أن القرار لم يكن مفاجئًا إذ كان وورش مرشحًا بارزًا في أسواق التوقعات منذ أيام فإنه عمّق تحوّلًا كان جارٍ بالفعل. فبينما كان يُنظر إليه سابقًا كصقري، ثم كداعِم لخفض الفائدة مؤخرًا، أعاد ترشيحه حالة عدم اليقين بشأن مسار السياسة النقدية، ما أربك الأسواق التي كانت تتداول على أساس سيناريو تيسيري واضح. وأسهم هذا الغموض في تعزيز الدولار وتقويض الرهان على تآكل قيمته الذي غذّى صعود المعادن، بحسب بلومبيرغ.
وفي سوق طبيعية، كان من الممكن أن تؤدي هذه العوامل إلى تصحيح محدود. لكن في هذه السوق حيث كان التموضع أحادي الاتجاه والرافعة المالية تتراكم بهدوء كان ذلك كافيًا لإطلاق موجة هبوط حادة في يوم واحد، مع تراجع الذهب بأكثر من 9% وهبوط الفضة بنحو 27%.
وقالت إميلي رولاند، كبيرة استراتيجيي الاستثمار المشاركين في Manulife John Hancock Investments: «أي شيء يرتفع بشكل شبه عمودي غالبًا ما يهبط بالطريقة نفسها. كثير من التحركات يبدو مدفوعًا بالزخم والعوامل الفنية والمعنويات».
وكان التموضع الأحادي واضحًا أيضًا في أسواق أخرى. فقد ارتفع مؤشر معنويات الفضة المستند إلى مسح أسبوعي لخبراء الوساطة وكتّاب النشرات إلى أعلى مستوى له منذ 1998، بحسب Renaissance Macro Research نقلًا عن Consensus Inc. وقبيل يوم الجمعة، كان الدولار قد سجّل أسوأ بداية له في عام منذ ثمانية أعوام، فيما تفوّق مؤشر MSCI Emerging Markets Index على S&P 500 بهوامش لم تُشهد منذ 2022.
وجاء ذلك تذكيرًا جديدًا بمدى تقارب التموضع الاستثماري تحت سطح سوق صاعدة ما زالت تبدو متماسكة. كما سلّط انهيار المعادن الضوء على صفقات مزدحمة أخرى صمدت حتى الآن من الاهتمام المتجدّد بأسهم الشركات الصغيرة إلى الرهانات على هدوء الأسواق ومنحنى عائد أكثر انحدارًا.
وفي يوم الأربعاء، أعلنت Microsoft عن إنفاق قياسي على الذكاء الاصطناعي بالتوازي مع تباطؤ في نشاطها الأساسي للحوسبة السحابية، ما أعاد إحياء المخاوف من أن موجة استثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى قد تحتاج وقتًا أطول لترجمة الإنفاق إلى عوائد. وجاء رد فعل السوق سريعًا مع تراجع السهم، بينما أعاد المستثمرون تقييم افتراضات أن الإنفاق الكثيف سيعزّز تلقائيًا هيمنة التكنولوجيا الأميركية.
وتزامن ذلك مع تقلبات حادة الأسبوع الماضي مرتبطة بتوترات بين الولايات المتحدة وأوروبا، والتي كبحت لفترة وجيزة انطلاقة العام قبل أن تعود الصفقات للارتفاع بشكل شبه جماعي.
ورغم ذلك، ارتفع مؤشر S&P 500 خلال الأسبوع للمرة الأولى في ثلاثة أسابيع، ولامس لفترة وجيزة مستوى 7,000 نقطة.
كما أثار الأسبوع تساؤلًا أهدأ وسط الضجيج: هل لا يزال هناك مجال للمستثمرين المخالفين للإجماع في سوق تهيمن عليها صفقات الزخم؟ وما كلفة الخروج عن الصف قبل أن ينقلب الإجماع؟
ويُعد ريتش فايس، كبير مسؤولي الاستثمار لاستراتيجيات الأصول المتعددة في American Century Investments، من بين من بدأوا الرهان عكس الاتجاه السائد أواخر العام الماضي. فقد مالت محافظه إلى تفضيل الأسهم الأميركية على نظيراتها العالمية وهو خيار لم يصب في مصلحته حتى الآن مع صعود الأصول خارج الولايات المتحدة.
ومع ذلك، لا يزال فايس متمسكًا بموقفه، مقتنعًا بأن نمو الأرباح سيساعد الشركات الأميركية على مواصلة التفوق على منافسيها في الخارج.
وقال فايس: «حتى لو لم يتحرّك الاتجاه لصالحنا الآن، فإننا نرى العوامل الأساسية تعمل لمصلحتنا. الزخم يشبه التقاط عملات معدنية أمام آلة بخارية… ينجح حتى يتوقف فجأة».




