تقلبات قياسية تهزّ سوق الكاكاو… وغانا تبدأ مراجعة نظام التسعير

تشهد أسواق الكاكاو العالمية تحولات عميقة بعد موجة صعود قياسية أعقبها هبوط حاد، ما دفع كبار المنتجين في غرب أفريقيا إلى مراجعة آليات التسعير والتنظيم المعتمدة منذ عقود. وبحسب وكالة بلومبيرغ، فإن الطفرة التي دفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة في عام 2024، ثم الانهيار الذي تلاها بأكثر من سبعين في المئة، بدأت تهزّ البنية التقليدية للسوق في المنطقة التي تؤمّن الجزء الأكبر من الإمدادات العالمية.
في هذا السياق، أطلقت غانا، ثاني أكبر منتج عالمي، هذا الأسبوع مساراً يهدف إلى تخفيف القيود الصارمة على الأسعار المحلية التي تحددها الدولة. كما تتصاعد حالة التململ في Ivory Coast، أكبر المنتجين عالمياً، حيث يؤجل بعض التجار شراء المحصول المتوسط المرتقب أملاً في انخفاض التكاليف.
لطالما خضعت مبيعات الكاكاو في البلدين، اللذين ينتجان أكثر من نصف المعروض العالمي، لإشراف هيئات تنظيمية حكومية تحدد أسعار الشراء من المزارعين وتتولى تسويق المحصول. وقد صُمم هذا النظام لحماية صغار المزارعين من تقلبات الأسواق الزراعية، إلا أن الارتفاع القياسي في العقود الآجلة خلال عام 2024، ثم انهيارها الحاد لاحقاً، كشفا حدود هذا النموذج.
فقد بلغت العقود الآجلة للكاكاو في نيويورك نحو 13,000 دولار أميركي للطن خلال ذروة عام 2024، أي ما يقارب أربعة أضعاف المعدل التاريخي الطويل الأمد، قبل أن تتراجع إلى حوالى 4,000 دولارات أميركية، ثم تلامس في نهاية الأسبوع مستوى 3,652 دولاراً أميركياً للطن، وهو الأدنى منذ تشرين الأول/أوكتوبر 2023. هذا التذبذب الحاد جعل من الصعب على المزارعين الاستفادة من موجة الصعود، كما قلّص هوامش أرباح التجار مع الانخفاض السريع للأسعار.
ووفقاً لما نقلته بلومبيرغ عن تقديرات شركة الوساطة في السلع Marex Group، يُتوقع تسجيل فائض عالمي يقارب 400 ألف طن في الموسم الحالي، وهو الأكبر بحسب بيانات International Cocoa Organization منذ ثمانينيات القرن الماضي. وقد أسهم تحسن الإنتاج إلى جانب تراجع الطلب في تسريع تصحيح السوق.
خلال فترة الصعود، واجه المنظمون في غرب أفريقيا صعوبة في الوفاء بجميع العقود المبرمة مسبقاً، إذ يتم عادة بيع الجزء الأكبر من المحصول قبل جمعه بأشهر. كما اضطر مصنعو الشوكولاتة إلى البحث عن بدائل لاحتواء الكلفة، من خلال تعديل الوصفات أو استخدام مكونات أقل سعراً. ومع انعكاس الاتجاه السعري، تكدست المخزونات في المستودعات والموانئ، ما ضغط على سلاسل الإمداد وأبطأ تدفقات التصدير.
وفي تطور لافت، أعلنت الحكومة الغانية عزمها إدخال نظام تسعير مرن يتيح تعديلات تلقائية للأسعار المحلية عند تغير الأسعار العالمية. وبحسب ما أوردته بلومبيرغ، قال وزير المالية كاسييل أتو فورسون إن الجهة المنظمة، المعروفة باسم Ghana Cocoa Board، ستُمنح صلاحية إصدار سندات محلية لتمويل شراء المحصول باستخدام حبوب الكاكاو كضمانة، بما يوفّر سيولة دورية أكثر استدامة.
ويرى محللون أن خفض سعر الشراء من المزارعين بالتوازي مع هذه الإصلاحات قد يسهّل تصريف الكميات المتراكمة من المحصول الرئيسي الذي ينتهي عادة في شهر آذار، ويساعد في تخفيف الاختناقات داخل النظام. إلا أن المقترح ما زال بانتظار إحالته إلى البرلمان لإقراره لاحقاً هذا العام، على أن يُطبق بدءاً من الموسم الرئيسي المقبل الذي ينطلق عادة في تشرين الأول.
في المقابل، لم يصدر تعليق فوري عن الجهة المنظمة في ساحل العاج، غير أن تقارير السوق تشير إلى ضغوط متزايدة لإعادة النظر في أسعار الشراء المحلية. كما يقدّر متعاملون أن البلدين يملكان معاً نحو 200 ألف طن من المحصول الرئيسي لم تُبع بعد، إضافة إلى كميات من المحصول المتوسط يجب تصريفها قبل نهاية الموسم في أيلول، ما قد يبقي الضغط قائماً على الأسعار العالمية.
وبينما يحاول المنتجون في غرب أفريقيا التكيّف مع واقع جديد يتسم بتقلبات حادة وفوائض محتملة، تبدو سوق الكاكاو مقبلة على مرحلة إعادة توازن قد تعيد رسم خريطة الإنتاج والتجارة لسنوات مقبلة، في تحول يختبر قدرة الأنظمة التقليدية على الصمود أمام صدمات الأسعار العالمية.




