وطني... حقل تجارب أيديولوجي (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


في بلدان العالم، تُجرى التجارب في المختبرات.
أما في لبنان، فتُجرى على الناس.
فجأةً، يجد المواطن نفسه مشاركًا في تجربة كبرى، ليس لأنه وافق عليها، بل لأنه ببساطة يعيش في بلد قرر بعض مَن يُعتبَرون من أبنائه أن يحوّلوه إلى مختبر مفتوح: تجربة حرب جديدة، تجربة دمار إضافي، تجربة نزوح متجدّد، وتجربة أخرى في معرفة كم يحتمل هذا الشعب من الأوجاع قبل أن ينكسر… أو يعتاد.
اللافت في الأمر أن هذه التجارب تُدار بثقة مذهلة. أصحابها يتحدثون بلهجة من يملك الحقيقة المطلقة، وكأن لبنان كله مجرد ساحة خلفية لمشروع أكبر منه بكثير. مشروع أيديولوجي ضخم لا يسأل اللبنانيين عمّا إذا كانوا يريدونه أم لا، ولا يهتمّ بما إذا كانوا قادرين على تحمّل تبعاته أم لا. المهم أن تظل الراية مرفوعة، حتى لو كان الثمن بلدًا يترنح على حافة الخراب.
في كل مرة تندلع جولة جديدة من الجنون، يُطلب من اللبنانيين أن يتحلّوا بالصبر، وأن يتفهّموا "الظروف الإقليمية"، وأن يقدّروا "حساسية المرحلة". أما الناس الذين قُتِلوا على مذبح الأيديولوجيات الميتافيزيقية وبيوتهم التي تهدّمت، وأرزاقهم التي تبخّرت، وأولادهم الذين حملوا حقائب النزوح بدل الحقائب المدرسية… فهذه تفاصيل صغيرة لا تستحق أن تعكّر صفو الخطابات الكبرى.
والمفارقة الأكثر إيلامًا أن الذين فتحوا أبواب الجحيم علينا يتصرفون كأنهم حماة الفردوس. يتحدثون عن الكرامة الوطنية فيما الناس تبحث عن مأوى، وعن السيادة فيما القرار معلّق في مكان آخر، وعن الانتصارات فيما القرى تُفرغ من أهلها والطرقات تمتلئ بقوافل الهاربين من الجحيم.
لبنان، كما يبدو، ليس دولة في نظر البعض، بل منصة إطلاق. وليس مجتمعًا متنوعًا له آراء واتجاهات مختلفة، بل جمهور ينبغي أن يصفّق في الوقت المناسب ويصمت في الوقت المناسب أيضًا. وإذا تجرّأ أحد على طرح الأسئلة: لماذا؟ وكيف؟ وإلى أين؟… يصبح السؤال نفسه تهمة، وربما خيانة!
المشكلة ليست في الأيديولوجيا في حدّ ذاتها؛ فالأفكار، مهما كانت، تبقى شأنًا بشريًّا قابلًا للنقاش، بل حين تتحول الفكرة إلى قدر مفروض على شعب كامل، وحين يصبح الوطن مجرد وقود لمشروع لا يعرفه معظم أبنائه إلا من خلال الدخان المتصاعد من بيوتهم.
مع ذلك، يواصل اللبنانيون حياتهم بطريقة تشبه المعجزة اليومية: يفتحون متاجرهم قرب الركام، ويعدّون قهوتهم على صوت الأخبار السيئة، ويعلّمون أطفالهم أن الغد ربما يكون أفضل… حتى لو كان الأمس قد قال العكس.
ربما لأن اللبناني، بعد كل هذه السنين، اكتشف سرًّا بسيطًا: أن الذين يجرّون البلاد إلى الحروب يملكون الأيديولوجيا…
لكن الناس وحدهم يملكون الحياة!
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.




