لغة الجسد بين الحبّ والذنب.. قراءة في أداء يورغو شلهوب وكارين رزق الله في "المحافظة 15" (من هنا... وهناك)


تحت عنوان "لغة الجسد بين الحبّ والذنب.. قراءة في أداء يورغو شلهوب وكارين رزق الله في "المحافظة 15"، يكتب وليد حسين الخطيب حلقة جديدة من سلسلة "من هنا... وهناك" حصرياً لموقع "إقتصادي.كوم".
لغة الجسد بين الحبّ والذنب.. قراءة في أداء يورغو شلهوب وكارين رزق الله في "المحافظة 15"
لقد استنزفتنا الأزمات التي نعيش، وكتبنا كثيرًا عنها، لذا من باب تغيير مود القرّاء ومحاولة الابتعاد من السواد الذي يحيق بنا، ارتأيت أن أتناول موضوعًا مختلفًا هذه المرّة، فكانت هذه الحلقة.
حين تتشابك السياسة بالعاطفة، وتختلط الذاكرة الشخصية بتاريخ من القهر والظلم، يصبح الجسد نفسه ساحة للصراع. وهذا ما يظهر بوضوح في العلاقة بين فؤاد كامل (يورغو شلهوب)، ومنية الضاهر (كارين رزق الله)، حيث تحضر لغة الجسد بوصفها الوسيلة الأصدق لكشف ما تحاول الشخصيات إخفاءه.
يورغو شلهوب: جسد الحبّ الجريح
قدّم يورغو شلهوب شخصية رجل خرج من السجن حاملًا ندوب التجربة المريرة، لكن تلك الندوب لا تمحو أثر الحب القديم. لذلك بدا الجسد في كثير من المشاهد متأرجحًا بين الانجذاب والاحتراس. فعندما يواجه منية الضاهر، يظهر في وقفته شيء من التصلّب، كأن الجسد يستعيد ذاكرة الألم. غير أن النظرات لا تخلو من بقايا العاطفة، فتتأرجح بين الحذر والحنين. هذه المفارقة في لغة الجسد - بين الوقفة المتحفزة والنظرة اللينة - تعكس صراعًا داخليًّا عميقًا بين الرجل الذي تعرّض للظلم، والرجل الذي ما زال يحمل في قلبه ذكرى الحب. وقد برز في أدائه ميل إلى الاقتصاد في الحركة، وكأن الشخصية ما زالت تحتفظ بقدر من الحذر الذي يلازم الخارجين من تجارب الاعتقال. غير أن بعض المشاهد أظهرت نشاطًا جسديًّا أكبر مما يُتوقَّع من شخصية خرجت توًّا من تجربة قاسية، وهو تفصيل يمكن اعتباره ملاحظة بسيطة على مستوى الاتساق الدرامي.
كارين رزق الله: جسد السرّ المكتوم
أما كارين رزق الله فقد أدّت شخصية أكثر تعقيدًا، لأن منية الضاهر تحمل سرًّا مزدوجًا: فهي ما زالت تحب فؤاد كامل، لكنها في الوقت نفسه كانت سببًا في اعتقاله، وقد وجدت نفسها متورطة مع النظام الذي اضطهده.
انعكس هذا التناقض في لغة الجسد بوضوح. فالشخصية تحاول الحفاظ على وقفة واثقة تليق بنائب في البرلمان، لكن تفاصيل صغيرة في الوجه والحركة تكشف توترًا داخليًّا لا يمكن إخفاؤه بالكامل. فالنظرات، خصوصًا حين تواجه فؤاد، تبدو أحيانًا أطول مما ينبغي، كأنها تحمل رغبة في استعادة الماضي. وفي لحظات أخرى يظهر ميل خفيف في الرأس أو تراجع بسيط في الجسد، وكأن الشخصية تحاول تفادي مواجهة الحقيقة التي تخفيها.
هذا التردد بين الاقتراب والابتعاد يمنح الأداء صدقية نفسية، لأن الجسد هنا يفضح ما تحاول الكلمات إخفاءه.
الجسد مساحة للصراع الصامت
القوة الدرامية الحقيقية في العمل تتجلّى حين يقف الممثلان وجهًا لوجه. ففي تلك اللحظات لا يكون الحوار وحده هو ما يصنع التوتر، بل المسافة بين الجسدين، وطريقة النظر، ودرجة الاقتراب أو التراجع. فثمّة رجل يحمل جرح السجن، وامرأة تحمل عبء الذنب والحب في آنٍ واحد. لذلك تتحوّل لغة الجسد نوعًا من الحوار الصامت في كثير من المشاهد: جسد يسأل، وجسد يتردّد في الإجابة.
لغة العيون: حين تقول النظرة ما تخفيه الكلمات
في العلاقات التي يثقلها الماضي، تصبح العيون أكثر صدقًا من الكلمات. وهذا ما يتجلى بوضوح في المشاهد التي تجمع فؤاد كامل بمنية الضاهر، حيث تتحول النظرات إلى مساحة اعتراف صامت بما لا تستطيع الشخصيتان قوله صراحة. فنظرات فؤاد كامل تبدو غالبًا طويلة ومتأملة، كأنها تحاول قراءة ما وراء الوجه الذي يقف أمامه. هناك شيء من الحيرة في تلك النظرات، وربما شيء من الحنين أيضًا؛ إذ يلتقي في عينيه الرجل الذي خرج من تجربة قاسية بالرجل الذي ما زال يتذكر المرأة التي أحب. أما منية الضاهر فتبدو نظراتها أكثر تعقيدًا. فهي تحاول في كثير من اللحظات الحفاظ على نظرة ثابتة توحي بالثقة والهدوء، لكن العين سرعان ما تكشف ما تحاول الشخصية إخفاءه. ففي لحظات معيّنة يظهر تردد سريع في النظرة أو انكسار خفيف فيها، كأن الذاكرة تسبق القدرة على التماسك.
هكذا تتحول العيون بين الشخصيتين إلى نوع من الحوار الصامت: عين تسأل من دون أن تتجرأ على السؤال، وعين أخرى تعرف الجواب لكنها تخشى الاعتراف به. وفي هذه المساحة الصامتة بين النظرتين يتجلى جوهر العلاقة كلها، حيث يبقى الحب حاضرًا، لكنّه محاط بظلال الذنب.
بين التعبير والمبالغة
في المحصلة، نجح الممثلان في توظيف لغة الجسد لإظهار التعقيد النفسي للشخصيتين، خصوصًا في إبراز التوتر بين الحب القديم والحقيقة المخفية. ومع ذلك، يمكن تسجيل بعض الملاحظات الطفيفة، مثل تفاوت الإيقاع الجسدي لدى شخصية فؤاد كامل في بعض المشاهد، أو ميل شخصية منية الضاهر أحيانًا إلى صرامة جسدية أكثر ممّا يتطلبه الموقف العاطفي.
لكن هذه الملاحظات تبقى محدودة أمام نجاح العمل في تقديم علاقة إنسانية مركّبة، حيث يصبح الجسد نفسه حاملًا ذاكرة الحب والظلم والذنب.




