Contact Us
Ektisadi.com
أدب

دموع تحت المطر (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
25 مارس 2026 | 10:49 م
صورة دموع تحت المطر - سنيب

في مساء أثقلته الغيوم، كانت السماء تبكي كما لو أنها تعلم ما في قلبها.

جلست عند نافذة مكسورة، تراقب رذاذ المطر وهو ينحدر ببطء، كدموعها التي لم تتوقف منذ أن غادرت منزلها.

لم يكن النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر...

كان اقتلاعًا من الجذور، من الذكريات، من كل زاوية كانت لها ذكريات فيها.

كل شيء تغير، إلا قلبها الذي بقي عالقًا هناك، في المدينة حيث هو.

كانت تحبه بصمت، حبًّا لا يعرف المسافات، ولا تعترف به الحروب.

كان وعدها الوحيد وسط هذا الخراب… الأمل الذي كانت تتشبث به كلما اشتدّ القصف، وكلما اقترب الخوف منها أكثر.

في تلك الليلة، كانت الذكريات أقسى من البرد الذي يعصف في جسدها المتعب. لم تملك سوى معطفها الذي حملته معها من ذلك البيت القديم، حيث كان هديته في عيد ميلادها، ضمته وأغمضت عينيها، تتخيّله قادمًا من بين المطر. يمد يده إليها، يخبئها بين ذراعيه، يهمس، لا تخافي حبيبتي ها أنذا معك.

لكنّه لم يأتِ.

لم يكن هناك سوى صوت المطر، وارتعاش قلبها...

رفعت رأسها نحو السماء، وابتسمت بهدوء مسلّمةً أمرها للقدر، واختلطت دموعها بالمطر... حتى لم يعد يمكن التمييز بينهما، كأن السماء قررت أن تبكي معها، لا عنها.

ومع انطفاء آخر خيطٍ من الضوء في ذلك المساء الطويل، شعرت بأن الليل أسدل ستارته على وجع يوم طويل، كأن العالم كله في مكان وقلبها في مكان آخر.

أغمضت عينيها، وسمعت صقطقة المطر على النافذة كأنه يردد آلامها، وكأن كل قطرة تحمل جزءًا من قلبها الممزق.

لكن بين هذه الدموع والظلام، ظهر شعور غريب… شعور بالانتظار الذي لم يعد مؤلمًا، بل صار قوة صامتة. حينئذٍ، عرفت أنها قد فقدت الكثير، وأن الحروب والنزوح لم يتركا لها سوى الذكريات… لكنهما لم يَستطيعا أن يسلباها حبها الصامت، العميق، الذي ظل حيًّا رغم الرماد الذي خلّفته المعارك، وظل قلبها يشعّ نورًا كضوء الشمس من خلف الركام!