صناعة القطيع وهندسة الغباء... كيف يُعطّل الوعي والعقل (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


ليس ما يحصل فوضى عابرة في أسواق الكلام، بل هو نظام دقيق يُدار ببرود، يشتغل على إطفاء العقل من دون أن يُطلق رصاصة واحدة. تبدأ الحكاية من إغراق الوعي بطوفانٍ من الضجيج؛ فلا حاجة إلى قمع الحقيقة أو حجبها، إذ يكفي أن تُدفن تحت ركام التوافه: أخبار لا معنى لها، سجالات خاوية، صخبٌ يعلو ولا يقول شيئًا. هناك، يختنق العقل لا من نقص ما يسمع، بل من فرط ما يُلقى عليه، فيتراجع عن الفهم إلى مجرد الاستقبال.
ثم تأتي المرحلة التالية، حيث يُفكَّك التركيز تدرّجًا. يُعاد تشكيل الذائقة على إيقاع السرعة والبتر والسطحية؛ محتوى عابر يُدرّب الذهن على القفز لا الغوص، وعلى اللمس لا القبض، حتى يصبح التفكير العميق عبئًا ثقيلًا، يفرّ منه المرء كما يفرّ من مهمة شاقة لا طائل منها. وهكذا، يُعاد تعريف المعرفة نفسها: لا يعود العارف من يفهم ويحلّل، بل من يكرّر ويستعيد. تُقدَّم المعلومة في هيئة منتج جاهز، يُستهلك بلا هضم، ويُكافَأ من يردّد، بينما يُقصى من يناقش.
وفي منعطفٍ أدقّ، تُصاغ جماعية الرأي الواحد، ويُزرع وهم الإجماع زرعًا. يُقال للناس أن "الجميع" يقولون هذا، وأن من خالف إنما يغرّد خارج السرب، خصوصًا إذا تزيّن هذا "الإجماع" بهالة المقدّسين أو المشاهير. عندئذٍ، يخاف الفرد من الاختلاف، ويستقيل عقله لمصلحة الجوقة، فيذوب صوته في أصواتٍ لا يعرف ما إذا كانت تفكّر أم تكرّر.
أما التفكير النقدي، فيُدفع إلى الهامش ويُلاحَق بتهمٍ جاهزة: كل سؤال عميق يُرى تهديدًا، وكل محاولة للفهم تُتَّهم بالتعقيد، حتى يصبح الجهل منطقةً مريحة، ويغدو العقل مغامرة محفوفة بالمخاطر. ويُستكمل المشهد بإغراءٍ خادع: مكافأة السطحية. يُربّى الجيل على أن الخفة هي طريق النجاة، وأن العمق ترف لا ضرورة له، طالما أن هناك من يفكّر بدلًا منه.
وفي المحصلة، لا يُخفى الجهل، بل يُعاد تلميعه وتقديمه في ثوب الفضيلة. يُحتفى بالبسيط لا بمعنى النقاء، بل بمعنى التسطيح؛ يُصفّق له ويُرفع، بوصفه "صوت الناس"، بينما هو في الحقيقة صدًى لفراغٍ يُعاد إنتاجه. وهنا تبلغ الحيلة ذروتها: حين يتحوّل الانحدار إلى معيار، ويُقاس الوعي بمدى خفّته، لا بقدرته على النفاذ.
هكذا لا يُغتال العقل دفعة واحدة، بل يُستنزف ببطء، حتى يعتاد غيابه، ويصير حضوره حدثًا نادرًا، يُستغرب بدل أن يُحتفى به.
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.




