Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

شروط على قياس الفساد (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)

وليد حسين الخطيب
8 مايو 2026 | 05:15 ص
صورة شروط على قياس الفساد - سنيب

في بلادٍ تُتقن وضع ربطة العنق فوق قميصٍ مثقوب، لم يعد الفساد بحاجة إلى أن يتخفّى؛ بل بات يمشي مرفوع الرأس، محميًّا بنصوصٍ قانونية تُفصَّل كما تُفصَّل البدلات الفاخرة... على قياس الزبون. هنا، لا يُهدر المال العام خلسةً، بل يُهدر "بالقانون"، وتحت أعين الجميع، كأننا أمام عرضٍ مسرحي طويل، يعرف الجمهور نهايته منذ المشهد الأول، لكنه مُجبَر على التصفيق.

في كواليس هذه المسرحية، تبدأ الحكاية بما يمكن تسميته "تفصيل المقاس". دفتر الشروط، الذي يفترض أن يكون بوابة العدالة والمنافسة، يتحول إلى قفلٍ محكم، لا يفتحه إلا مفتاحٌ واحد محفوظ في جيب "المقاول المدلل". تُدرج مواصفات تقنية دقيقة حدّ الاختناق، أو شروط تعجيزية لا تنطبق إلا على شركة بعينها. وهكذا، يصبح البحث عن الجودة مجرد ذريعة أنيقة لإقصاء الجميع... باستثناء من كُتب له الفوز قبل أن تُكتب الشروط.

ولكي لا يبدو المشهد فجًّا، تُستدعى "عطاءات الظل" لأداء دور الكومبارس. شركاتٌ تُقدّم عروضًا باهظة أو ناقصة، لا لشيء إلا لتجميل الصورة وإقناع الرقابة بوجود منافسة. لكنها منافسة تشبه سباقًا يبدأ بعد أن يكون الفائز قد وصل إلى خط النهاية. الجميع يتحرك، لكن النتيجة ثابتة، محفوظة في درجٍ مغلق منذ الليلة التي سبقت الإعلان.

ثم يأتي "التسريب الاستراتيجي"، وهو فنٌّ رفيع من فنون الغشّ المؤسسي. يُهمس للطرف المختار بأرقامٍ يجب ألّا تُقال: السعر التقديري، عروض المنافسين، أو حدود اللعبة... فيقدّم عرضه بدقة جرّاح، أقلّ بقليل، أو مطابقًا تمامًا لما تريده الإدارة، فيظهر كأنه المعجزة الحسابية التي لا تُخطئ.

أما لجان الفتح والتقويم، فهي الحارس الأمين... ولكن على الفساد. يُختار أعضاؤها بعناية من أولئك الذين يتقنون فنّ التغاضي. مهمتهم ليست اختيار الأفضل، بل تصفية غير المرغوب فيهم. يبحثون في ملفات الشرفاء عن نقص ختمٍ أو ورقة، أو توقيعٍ تائه، فيُقصونهم بلا تردد، بينما تمرّ أخطاء "المفضّلين" مرور الكرام، كأنها تفاصيل لا تستحق الوقوف عندها.

ويبقى السؤال الأكثر وقاحة: أين تذهب فروق الأسعار؟ الجواب ليس سرًّا. إنها تتوزع بدقة: عمولات هنا، أثمان صمت هناك، وفتات يُلقى لصغار اللاعبين كي تستمر اللعبة بلا ضجيج. وهكذا، لا يعود السعر الأقل معيارًا، بل مجرد نكتة تُروى في ممرات الإدارات.

الخلاصة ليست رمزية ولا تحتاج إلى بلاغة: المناقصة المحسومة سلفًا ليست عقد توريد، بل عقد بيع للضمير. صفقةٌ تُبرم بين النفوس قبل أن تُكتب على الورق. لكن ما ينساه الطباخون في مطبخ الصفقات، أن الروائح، مهما أُحكم إغلاق الأبواب، لا بد أن تتسرّب. وأن الحساب، وإن تأخر، لا يُلغى... بل يتراكم، حتى يأتي يومٌ لا تُجدي فيه دفاتر الشروط ولا لجان التقويم، يومٌ تُفتح فيه الملفات لا لتُراجع، بل لتُدان.















ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.