ضريبة على الوهم (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


في بلاد العالم، يدفع المواطن الضرائب كي يحصل على الخدمات. أما عندنا، فيدفع الضرائب كي يحصل على فرصة الحلم بالخدمات، والحلم هنا رفاهية أيضًا، قد تُفرض عليها رسوم مستقبلًا إذا تنبّهت الدولة إلى وجودها.
نحن شعبٌ - وأقصد من يلتزمون بالقانون لا حبًّا بالقانون بل لأنّهم محترمون ويعرفون ما عليهم - يدفع كل شيء تقريبًا: رسومًا، وضرائب، وطوابع، وبدلات، ومساهمات، وغرامات تأخير، وحتى "رسم تحسين"... مع أن الشيء الوحيد الذي يتحسّن فعلًا هو قدرة الدولة ومؤسساتها على ابتكار الرسوم. ندفع للدولة كي تستمر ويعيش الزعماء وأولادهم برغد... ثم نكتشف أننا نحن الذين نستمر رغم الدولة، لا بفضلها.
خذ مثلًا "الملصق" (La vignette) الأسطوري التي ندفع ثمنه مع الميكانيك. تدفع مليون ليرة بكل حبّ وامتنان وحرص على القانون، ثم تخرج من دون أن ترى "الفينييت" نفسها، كأنك اشتريت مخلوقًا خرافيًّا من كتب الأساطير الإغريقية. ثلاث سنوات متتالية وأكثر ونحن ندفع ثمن شيء غير موجود، ومع ذلك لا أحد يسأل إذا كانت "الفينييت" غائبة، فلماذا الدفع إلزامي إلى هذا الحد؟ وقِس على ذلك الكثير!
هذا كلّه مجرد مقبلات في مائدة العبث الكبرى.
أما الطبق الرئيسي فهو البلدية.
ندفع بدل "حراسة وكناسة"، ونعيش في حيّ لا حراسة فيه إلا لعتمة الليل، ولا كناسة إلا لريح الشتاء حين تتطوع أحيانًا بنقل النفايات من زاوية إلى أخرى. الطرقات محفّرة كأنها مواقع أثرية قيد التنقيب، والإنارة تعتمد على الحالة النفسية للأعمدة، والمياه تأتي بخجل سائح أجنبي يزور بلدًا أول مرة ثم يختفي. ومع ذلك، ندفع!
العجيب أننا لا ننتخب أصلًا أعضاء البلدية الذين يفترض أنهم يخدمون منطقتنا، لأننا – وفق العبقرية الإدارية اللبنانية – ننتخب في بلدتنا الأصلية، لا حيث نعيش ونتعثر يوميًّا بالحفر نفسها. وهكذا يصبح عضو البلدية شديد الحنان على الأحياء التي انتخبته، أما نحن فنُعامل كأننا "ضيوف ثقيلون" ندفع الرسوم فقط مقابل حق التأمل في الإهمال.
لذلك، ربما حان الوقت لفكرة بسيطة جدًّا: أن ينتخب الإنسان حيث يسكن، لا حيث يرقد قيده في دفاتر تعود إلى العصر العثماني. فمن المنطقي أن يحاسب المواطن من يخدم شارعه، لا من يخدم شجرة العائلة.
أما أن نستمر في دفع بدل الحراسة كي نحرس أنفسنا، وبدل الكناسة كي نكنس وحدنا، فهذه ليست إدارة محلية… هذه كوميديا سوداء تُجبى فصولها مسبقًا.




