Contact Us
Ektisadi.com
أدب

عطرها لا يزال في المكان (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
28 مايو 2026 | 05:30 ص
عطرها لا يزال في المكان فدى الحاج صورة -  سنيب

في مساءٍ خريفيّ غائم، عاد بعد غياب إلى مكانٍ لطالما جمعه بامرأة أحبّها حدّ الوجع. ورغم خلوّ المكان، كانت رائحة عطرها لا تزال تسكن الجدران، كأنها لم تغادر.

هناك بدأ الحوار اليتيم مع الذكرى. مرّ على الأماكن التي شهدت ضحكاتهما، وسمع في خياله صوتها، واسترجع أحاديثهما التي نقشها الزمن في قلبه.

جال في أنحاء الغرفة، ثم اقترب من الطاولة. هناك كان فنجان القهوة الذي تركته قبل سنوات، لا يزال يحمل رائحةً ممزوجة بعبير عطرها. وعلى الكرسي بجانبه، كان شالها الملقى بعفوية، كأنه ينتظر أن يلمسه أحد ليوقظ فيه حنين العودة.

جلس للحظة، وأغمض عينيه، مستسلماً للذكريات التي تتدفق كنسيم خريفي، ليكتشف أن الحنين لا يترك القلب وحيداً أبداً.

مشى نحو النافذة المطلة على الشارع، حيث يجلس عازف الناي كل ليلة تحت الشرفة. استحضر عطرها المفضل العالق على الستارة، فخرج مسرعاً إلى المتجر ليشتري النوع نفسه. عاد ونثر عبيره في المكان، ثم أغلق الباب وخرج، وكأنها كانت تستقبله بحب واشتياق.

جلس مجدداً قرب الكرسي، وأمسك فنجان القهوة بيده، وبدأ يرسم في الهواء تفاصيلها، كأنه يحمل جزءاً من روحها في داخله. اجتاحه الحنين بالكامل، فيما بدأت بقايا القهوة تجف وتتلاشى كالرمل على الأرض. حاول جاهداً أن يجد تفسيراً، أي إشارة أو علامة تدله على أنها ستطرق الباب وتدخل من جديد.

همّ بالخروج، فتوقف عند باب الغرفة، وتنهد ببطء. دمعت عيناه، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة. شعر بأن قلبه يعرف الطريق دائماً، وأن الحب الذي ترك أثره هنا لا يموت، بل يربط بين الماضي والحاضر، بين الذكرى والفرح القادم.

غادر المكان مصطحباً معه الأمل، متيقناً أن الحياة، مهما ابتعدت، ستمنحه فرصة جديدة للحب واللقاء.