Contact Us
Ektisadi.com
أدب

أحبّته رغم الشظايا (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)

فدى الحاج
4 يونيو 2026 | 05:09 ص
صورة مقالة أحبته رغم شظاياه بقلم فدى الحاج - سنيب

لم تكن تعلم أن محادثةً حدثت مصادفة ستفعل كل هذا، رغم صلابة شخصيتها وقوة إرادتها.

ذات يوم، قررت أن تذهب إلى المقهى لترتشف قهوتها المرّة وتكتب الشعر، هناك على جانب الطريق حيث المارة يجيئون ويذهبون.

كان المكان خاليًا من رواده. جلست على المقعد تتأمل فنجانها، وإذ به ينظر إليها؛ يجلس وحيدًا بعينين حزينتين كأنهما تبحثان عن شيءٍ ضاع منذ زمن.

اقترب منها بهدوء غير منتظم، وسألها عمّا إذا كان المقعد المقابل شاغرًا. ابتسمت بخفّة وأومأت له بالموافقة. جلس بصمت في البداية، ثم قال بصوت خافت:

"تبدين كأنك تكتبين الماضي بأبيات شعر."

تفاجأت بسؤاله، لكنها وجدت نفسها تجيبه:

"ربما أكتب عن الماضي الذي يسكن الحاضرين."

ابتسم ابتسامة خفيفة، لكن ملامحه سرعان ما تبدّلت إلى حزنٍ دفين، وبدأ يحدثها عن المدن التي عبرها، وعن الحرب التي سرقت منه الأصدقاء، وعن الجراح التي لم تندمل بعد. كانت تصغي إليه وكأنها ترى الماضي في كلامه، صورًا متشعبة تعكس حياته كلها.

منذ ذلك اليوم، أصبح المقهى ملتقاهما. كانت تنتظره كل مساء، تجلس على المقعد نفسه، في يدها القلم، تكتب وتستمع إليه.

أما هو فكان يأتي مثقلاً بتناقضاته؛ يومًا ساكنًا كنسمة البحر، ويومًا مملوءًا بالعواصف، ولم تكن تعرف أيّهما الحقيقي.

مع مرور الوقت، بدأت تشعر بشيء جعلها تتساءل: هل يعاني من انفصام في الشخصية؟ وهل لم تترك الحرب منه سوى بقايا حكايات قديمة؟

لم تهرب، بل قررت أن تبقى؛ أن تحبه رغم الشظايا التي تسكنه، ورغم الفوضى التي يعيش داخلها.

كانت تحاول أن تكون له مأمنًا من الخوف، وطنًا صغيرًا يحتضن وجعه، كأنها تعيد بناء قلبٍ تهدّم. وكان يعدها بأنه سيتغير، وأنه سيتعلم كيف يهدأ، لكنها كانت تشعر أن وعوده ستذوب في منتصف الطريق، كثلج تلمسه أشعة الشمس.

وفي مساءٍ من تلك الأيام، قرر الرحيل: لا رسالة، لا تبرير، فقط صمت يملأ المكان ويعكس حضوره الغائب. تنهدت بعمق، وقالت في سرّها:

"إن الحب لا يعني أن نمتلك، بل أن نحتفظ باللحظات الجميلة، وأن نحمل الآخر في القلب، وأن نسمح لأنفسنا بالاستمرار، بالأمل، وبالحب."

وهكذا، بين الحبر والفنجان، بين شظايا الحب والحرب، أصبحت قصتها حكاية حيّة تنبض بصمت بين صفحات دفترها؛ حبٌّ لا ينقص رغم الغياب، مؤمنةً بأن أعمق أشكال الحب هو أن نحتفظ بالآخر في أرواحنا، تاركًا أثره خالدًا، كنجمة في سماء الحكايات القادمة.