تداعيات الانهيار الاقتصادي في كوبا: نزوح الشركات الأجنبية يفاقم الأزمة تحت وطأة الضغوط الأميركية


تشهد كوبا انسحابًا متسارعًا للشركات الأجنبية، ما يوجه ضربة قوية لاقتصاد الجزيرة المترنح.
تشهد كوبا أزمة اقتصادية خانقة تدفع الشركات الأجنبية إلى مغادرة الجزيرة تباعاً، ما يلقي بظلاله الكثيفة على مستقبل البلاد. هذا الانسحاب المتسارع، الذي يطال قطاعات حيوية مثل الخدمات المالية والسياحة والتعدين، يأتي في ظل حملة ضغوط مكثفة تشنها إدارة ترامب على هافانا، مما يجعل الوضع الاقتصادي الكوبي يواجه تحديات غير مسبوقة.
تتوالى إعلانات الانسحاب من السوق الكوبي من قبل شركات عالمية رئيسية. فقد أعلن البنك المركزي الكوبي أن شركتي ماستركارد وفيزا ستوقفان التعاملات لغير الزوار الأميركيين الأجانب في الجزيرة اعتبارًا من نهاية هذا الأسبوع، بينما كان استخدام الأميركيين لبطاقاتهم محظورًا بالفعل. في قطاع الضيافة، قررت المجموعتان الفندقية الإسبانية العملاقة إيبيروستار وميليا التخلي عن إدارة عشرات الفنادق في كوبا، مما يمثل ضربة قوية للقطاع السياحي. كما توقفت شركة رويالتون للفنادق والمنتجعات الكندية عن عملياتها، متأثرة بالانهيار الكبير في أعداد السياح.
من بين أبرز هذه المغادرات المحتملة، تبرز حالة شركة شيريت إنترناشونال الكندية للتعدين. لطالما كانت هذه الشركة، التي يصفها البعض بأنها كانت "رأسمالي فيدل كاسترو المفضل"، مستثمرًا أجنبيًا حيويًا في كوبا لأكثر من ثلاثة عقود، حيث استخرجت آلاف الأطنان من النيكل والكوبالت سنويًا من منجم مووا في شرق البلاد، مما دعم إحدى أهم صناعات التصدير. صرح مارك إنتويستل، السفير الكندي السابق في كوبا، أن الشركة لم تقتصر على عمليات التعدين فحسب، بل قامت أيضًا بتدريب سلسلة كاملة من المسؤولين التنفيذيين الكوبيين على آليات عمل الشركات الحديثة، مما أحدث "طبقة أعمال وليدة ثورية جدًا" آنذاك. على الرغم من أن الشركة كانت تناقش مشاريع توسعية في وقت سابق من هذا العام لتحسين الإنتاج بعد انخفاضه بسبب نقص الوقود وإعصار ميليسا، إلا أنها أعلنت مؤخرًا تعليق عملياتها وإعادة موظفيها، مشيرة إلى أن "التنقل في حالة عدم اليقين" أصبح أمرًا مرهقًا. وقد أثرت هذه الاضطرابات على أسهم الشركة، التي انخفضت بأكثر من 50%، قبل أن تعلن شيريت توقيع اتفاق مبدئي غير ملزم لبيع حصة مسيطرة لشركة جيلون كابيتال، وهي مكتب عائلي خاص مرتبط بممول جمهوري.
يأتي هذا النزوح التجاري في الوقت الذي تكثف فيه واشنطن ضغوطها على الحكومة الكوبية. ففي وقت سابق من هذا الربيع، وقعت إدارة ترامب أمرًا تنفيذيًا يستهدف مجموعة غايسا (GAESA) المملوكة للجيش الكوبي، والتي وصفها وزير الخارجية ماركو روبيو بأنها "قلب النظام الشيوعي الفاسد في كوبا". تؤكد الولايات المتحدة أن غايسا تسيطر على ما لا يقل عن 40% من الاقتصاد الكوبي، بما في ذلك العديد من الفنادق التي كانت تُشغل بالشراكة مع الشركات الأجنبية المغادرة حاليًا. كما طالت العقوبات مشروع مووا نيكل، وهو مشروع مشترك بين شيريت وشركة النيكل الكوبية المملوكة للدولة، بزعم أنه يدعم حكومة قمعية. هذه الإجراءات أجبرت المستثمرين الأجانب فعليًا على الاختيار بين مواصلة التعامل مع كيانات مرتبطة بالجيش الكوبي أو مواجهة عقوبات ثانوية، وهو ما يوضح تركيز واشنطن على "مكامن القوة"، حسب ريكاردو هيريرو من مجموعة دراسات كوبا.
تُعد هذه التدابير جزءًا من حملة أميركية أوسع لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية من هافانا. ففي الأسابيع الأخيرة، وجه المدعون الأميركيون اتهامات بالقتل للرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو بسبب إسقاط طائرات مدنية في التسعينيات، كما فرضت واشنطن، قبل أيام قليلة، عقوبات على الرئيس الحالي ميغيل دياز كانيل وأفراد من عائلته، بالإضافة إلى نجل كاسترو وحفيده وعدد من الكيانات الكوبية.
تدهور الاقتصاد الكوبي بشكل حاد بعد سنوات من سوء الإدارة والفساد وسلسلة واسعة من العقوبات الأميركية. وقد تفاقم الوضع بشكل أكبر بعد فرض إدارة ترامب حصارًا نفطيًا في أعقاب اعتقال الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو في وقت مبكر من هذا العام، حيث كانت حكومته تُعد موردًا رئيسيًا للنفط المدعوم إلى هافانا. بدون هذا الشريان الحيوي، تقلصت وسائل النقل العام، ويكافح المزارعون لتوصيل منتجاتهم إلى الأسواق، ويعاني السكان من انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة. وقد انخفضت قيمة البيزو الكوبي في السوق غير الرسمية بشكل كبير، حيث وصل إلى حوالي 620 بيزو للدولار الواحد، وفقًا لموقع "ال توكي" الإخباري الكوبي المستقل. وقد أدت هذه الظروف القاسية إلى احتجاجات شعبية شملت طرق الأواني وحرق القمامة، مما دفع مئات الآلاف من الكوبيين إلى مغادرة الجزيرة.
في ظل هذه البيئة الصعبة، لم تعد الشركات الأجنبية، التي طالما قبلت مخاطر العمل في كوبا على مدى عقود سعيًا للحصول على موطئ قدم في قطاعات السياحة والتعدين رغم الحصار الأميركي طويل الأمد، ترى أن المكافآت تستحق المخاطر. يصف تيد هينكن، الخبير في الشؤون الكوبية، الوضع بأنه "لكمة مزدوجة"، مشيرًا إلى أن "الخنق التدريجي والمتواصل" من جانب إدارة ترامب يزداد قوة، ويترك فراغًا استثماريًا لا يبدو أن هناك مستثمرين مستعدين لملئه.



