أوراق تتنفّس (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


بين الشجار الطويل، حيث تصدح الكلمات كالرصاص وتتطاير بين القلوب الغاضبة، توقف الزمن ووقف معه لحظة ليجمع شجاعته. في حديقة صغيرة حيث تتراقص أغصان الغاردينيا تحت الشمس، نظر يتأملها فلاحظ شجرة واحدة تتمايل بهدوء كما لو كانت تسترق السمع لما يدور حولها.
اقترب منها، أسدل غصنها المزهر بين يديه وتوقف. كان قلبها منكسرًا كالحًا رغم بياضه الناصع، كالقلب الذي يخجل من الاعتراف، لكن قرر أن يجعلها رسولًا. بقلمه الصغير كتب على ورقة منها كلمات اعتذار غامض، كلمات لم تفصح عن كل شيء، لكنها حملت كل ما في قلبه: ألم الندم، شوقه، والأمل في الصفح...
اقتربت من المكان، لم تتوقع أن تجده هناك، واقفًا بصمت بين أغصان الغاردينيا. لم يقل أحد كلمة في البداية، فقط تبادلا نظرات قصيرة، لكنها كانت أثقل من أي كلام قالاه من قبل.
مد لها رامي الغصن المزهر، والورقة الصغيرة المعلقة به. كانت الكلمات مختصرة وغامضة، لكنها تحمل كل ما لم يجرؤ على قوله:
."لم أستطع النوم منذ يوم خصامنا، وكل شيء بدا ناقصًا من دونك"
أمسكت بالورقة، وقلبها يخفق بشدة، فهي لم تكن بحاجة إلى فهم كل حرف، بفقد شعرت بالصدق الذي ينبعث منها، في تلك اللحظة، توقف الغضب، وتراجع الحزن، وحل مكانهما شعور هادئ ومريح، شعور بأن الشخص أمامها لم يعد عدوًّا، بل كان يبحث عن فرصة للتصالح.
ابتسمت، وأخذت غصن الغاردينيا بين يديها، ثم رفعت عينيها لتلتقي نظراتها بنظراته. لم يكن هناك كلمات مطلوبة بعد الآن، كل شيء كان موجودًا في تلك النظرة، في الصمت الذي تشاركاه معًا، وفي الورقة الصغيرة التي أصبحت جسرًا بين قلبين.
وبينما كانت أصابعها تداعب الورقة الصغيرة، انتبهت إلى شيء ما، لم تكن الرسالة مكتملة. قلبت الورقة بهدوء، فوجدت على ظهرها سطرًا واحدًا فقط.
..." "اقرإي ما لم أكتبه
رفعت عينيها إليه مستغربة، ابتسم بخجل، وقال:
." "كل ما كتبته كان أقل مما شعرت به. وكل ما شعرت به أكبر من أن يتسع له ورق
كانت هذه المرة الأولى التي تراه فيها بلا دفاعاته المعتادة، بلا عناد، بلا رغبة في الانتصار. بدا شخصًا أنهكه الفراق أكثر مما أنهكه الخصام.
لم تعد تبحث عن تفسير، ولم يعد هو يحاول أن يبرر. كل ما كان بينهما في السابق من سوء فهم، بدا الآن غبارًا خفيفًا انزاح مع أول نسمة هدوء.
مدّ يده ببطء فأمسكت بها كما لو أنها كانت تنتظر هذه الإشارة.
ومشيا معًا، لا كمن عادا من خلاف، بل كمن اشتريا زمنًا جديدًا لا يريدان خسارته مرة أخرى. وبقيت الحديقة خلفهما، يتنفس فيها عطر زهورها حبًّا وسلامًا!




