على حافة الصمت (سلسلة "حبر ناعم" بقلم فدى الحاج)


تتدحرج كل الذكريات لتعيدك إلى ما قبل الغربة، إلى أيام كانت فيها الأصوات مألوفة والقلوب أقرب، وإلى أماكن لم يلمسها الغياب بعد، حيث تحمل كل زاوية قصة، ويشهد كل ركن على ضحكاتنا القديمة، حيث النسيم وقطرات المطر الخفيفة. كانت لقاءاتنا جميلة وطفولية، لا تُقاس بأعمارنا، بل بسعادتنا الممزوجة بحكايات الزمن.
بعد مرور الوقت، أصبحت الغربة سياجًا يحيك بيننا، فبات كل شيء للفراق مباحًا. لا أدري، أهو ذنب اقترفناه فعاقبتنا الحياة بالغربة؟ لا أعلم ماذا أفعل! الحنين يأخذني إلى حيث ظلال الصمت الطويل، فقد تسللت الغربة إلى ثنايا الروح، وانتزعت منّا دفء الأمس، حيث كانت الأرصفة تعرف خطواتنا.
الذكريات هنا كالشموع المعلقة في الهواء، تخاف أن يطفئها شيء على غفلة. تضيء لحظة وتختفي أخرى، كأنها تصارع الموت. هكذا هي الليالي، وحنينها إلى ذاك المكان المعهود.
كأن الأيام لم تمضِ، وكأننا لم نفترق، لكن الغربة تفننت في رسم طريق مغاير، وبنت بيننا جدارًا صامتًا لا يُرى.
في كل ليلة أكتب رسالة لا تصل، أملؤها بكلمات لم يقلها لساني يومًا، ثم أتركها عالقة بين الأوراق، كأنها تنتظر بريدًا ضائعًا. فالوحدة هنا لا تُقاس بالمسافات، بل بثقل اللحظة التي لم تعد موجودة، وحين تفتش عن ضحكة كانت ترتسم على وجوهنا، فلا تسمع لها سوى صدى الكلام المكتوم.
وها أنا أقف على أطراف الخيال، أستمع إلى صدى الذكريات يهمس لي بأن الماضي لن يعود، وأن العزلة قد تركت بصمتها على كل لحظة. ومع ذلك، يبقى في القلب بقايا ضوء، كشمعة صغيرة تحاول الصمود في عتمة الليل، تذكرني بأن الذكريات، رغم كل الفقد، ستظل حية، وستبقى الروح تبحث عن طريقها إلى لقاء جديد، ولو كان في عالم من الأحلام الصامتة.




