مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية تعيد تنشيط رهانات تخمة النفط وسط تراجع العقود الآجلة

أعاد اتفاق السلام بين الولايات المتحدة وإيران تنشيط رهانات تخمة النفط العالمية، مما أدى إلى انخفاض حاد في أسعار العقود الآجلة للخام. تراجعت المراكز الصعودية لمديري الأموال إلى أدنى مستوياتها في ستة أشهر، وعادت خيارات المضاربة على فائض المعروض لتصبح ذات أهمية بعد أن كانت شبه عديمة القيمة. في حين بدأت تظهر رهانات هبوطية جديدة في السوق، لا تزال هناك عوامل قد تمنع تراجعاً أكبر، مثل هشاشة الاتفاق وبطء استعادة مستويات الشحن الطبيعية عبر مضيق هرمز.
أعاد اتفاق السلام الذي جرى التوصل إليه مؤخرًا بوساطة بين الولايات المتحدة وإيران رسم ملامح سوق النفط العالمية بصورة عميقة، مطلقًا موجة من التوجهات الهبوطية ودافعًا المتعاملين إلى إعادة النظر في استراتيجياتهم التي تركز على احتمال حدوث فائض في المعروض من الخام. وقد أدى هذا الاختراق الدبلوماسي مباشرة إلى تراجع ملحوظ في العقود الآجلة للنفط، ما أعاد تفعيل مجموعة من مراكز الخيارات المتخصصة التي كانت قد أصبحت عديمة الجدوى خلال الفترة الماضية، حسب بلومبيرغ الأحد.
وتؤكد مؤشرات السوق حجم هذا التحول. فقد تلاشت تقريبًا العلاوة السعرية لخيارات الشراء على خام برنت لأجل شهرين، بعدما كانت قد تجاوزت 30 نقطة في منتصف مارس بفعل المخاوف من اضطرابات الإمدادات. كما أصبحت المراكز المفتوحة في السوق أكثر تشاؤمًا بشكل واضح. وتظهر البيانات الأسبوعية الصادرة عن لجنة تداول السلع الآجلة الأميركية أن مديري الأموال والمضاربين الرئيسيين خفضوا صافي مراكزهم الشرائية على خام برنت، المعيار العالمي، إلى أدنى مستوى في ستة أشهر، بما يمثل تراجعًا بنحو ثلاثة أرباع حجم هذه المراكز منذ نهاية مارس، في إشارة إلى انسحاب واسع من رهانات الصعود.
ومن أبرز المؤشرات على هذا التحول عودة الاهتمام بخيارات تحقق أرباحًا من هيكلية سوق تعرف باسم "الكونتانغو"، حيث تكون الأسعار المستقبلية أعلى من الأسعار القريبة، وهو ما يعكس توقعات بوجود فائض في المعروض. وقبل الهجوم الأميركي على إيران، كان بعض المتعاملين قد راهنوا على هذا السيناريو، متوقعين أن يؤدي فائض الإمدادات إلى الضغط على الأسعار الفورية. لكن بعد الهجوم، قفزت أسعار الخام الفورية نتيجة المخاوف الواسعة من نقص الإمدادات، ولا سيما في أواخر أبريل عندما تجاوزت علاوة عقود خام غرب تكساس الوسيط لتسليم أغسطس خمسة دولارات للبرميل مقارنة بعقود سبتمبر، التي كانت بدورها أعلى بنحو أربعة دولارات من عقود أكتوبر.
وأدى هذا الارتفاع الحاد إلى فقدان أكثر من 20 ألف عقد من عقود خيارات البيع المسوّاة ماليًا، والتي تمثل 20 مليون برميل شهريًا، لقيمتها الفعلية. وكانت هذه العقود مصممة لتحقيق أرباح في حال انخفضت فروقات الأسعار إلى ما دون الصفر. إلا أن تقلص الفجوة بين العقود إلى أقل من دولار واحد أعاد لهذه الخيارات جدواها الاقتصادية، في انعكاس واضح لتزايد توقعات السوق بارتفاع الإمدادات.
كما بدأت استراتيجيات هبوطية جديدة بالظهور. ففي يوم الأربعاء، جرى تداول نحو 100 ألف عقد، تعادل 100 مليون برميل، من فروقات خيارات البيع على خام برنت لشهر سبتمبر عند مستويات 70 و69 دولارًا للبرميل. وتبع ذلك تداول عقود إضافية تعادل 41 مليون برميل عند مستويات 71 و70 دولارًا يوم الجمعة. ويرجح أن تكون هذه العمليات جزءًا من استراتيجيات تحوط يتبعها متعاملون يديرون خيارات رقمية كبيرة خارج البورصة، تعتمد أرباحها على هبوط الأسعار دون نطاق 70 إلى 71 دولارًا للبرميل خلال الشهر المقبل أو نحو ذلك. وإلى جانب ذلك، توجد مراكز كبيرة مفتوحة تضيف ضغوطًا هبوطية محتملة، منها نحو 45 ألف عقد مفتوح عند مستوى 75 دولارًا لخام برنت لشهري أغسطس وسبتمبر. وفي حال اضطر المتعاملون الذين يحتفظون بمراكز بيع على هذه الخيارات إلى بيع العقود الآجلة لإعادة موازنة محافظهم، فقد يؤدي ذلك إلى تسريع وتيرة أي انخفاض في الأسعار.
ورغم النظرة السلبية السائدة، لا تزال السوق تحتفظ بعناصر من عدم اليقين. فأي انهيار محتمل لاتفاق السلام الذي جرى التوصل إليه مؤخرًا قد يقلب الاتجاه الحالي بسرعة ويؤدي إلى موجة صعود جديدة. كذلك، فإن عودة تدفقات النفط إلى طبيعتها عبر مضيق هرمز الحيوي لن تتم بشكل فوري، كما أن إعادة ملء الخزانات التي تراجعت مستوياتها خلال الأشهر الماضية ستستغرق وقتًا. ومن شأن هذه العوامل أن توفر دعمًا للأسعار وتحد من أي تراجعات حادة، بينما تتكيف الأسواق تدريجيًا مع الواقع الجيوسياسي الجديد.




