الرابحون والخاسرون في اليابان من مرحلة تاريخية لأسعار الفائدة

تشهد اليابان تحولًا اقتصاديًا تاريخيًا مع رفع بنك اليابان المركزي لأسعار الفائدة إلى 1% في حزيران/يونيو، وهو مستوى لم يُسجل منذ عام 1995، مما ينهي عقودًا من السياسة النقدية فائقة التيسير.
تودع اليابان عقودًا من السياسة النقدية فائقة التيسير، بعد أن أقدم بنك اليابان المركزي (BOJ) في يونيو على رفع أسعار الفائدة إلى مستوى 1%، وهو رقم لم يُسجل منذ عام 1995. يمثل هذا القرار تحولًا استراتيجيًا بارزًا، ويعكس قناعة متزايدة بأن الاقتصاد الياباني قد تجاوز أخيرًا سنوات طويلة من التضخم المنخفض ونمو الأجور الراكد.
بينما تظل هذه النسبة، التي ارتفعت من 0.75%، منخفضة بالمعايير العالمية، إلا أنها تؤذن ببداية حقبة مالية مختلفة كليًا، وتضع على المحك القرارات المالية التي اتخذتها الأسر والشركات والمستثمرون اليابانيون على افتراض أن تكاليف الاقتراض ستظل منخفضة للغاية. هذا التغيير البنيوي يفرز بلا شك فائزين وخاسرين عبر نسيج الاقتصاد الياباني.
المستفيدون من الحقبة الجديدة
في مقدمة المستفيدين من هذه التحولات يبرز أصحاب الودائع. فبعد عقود من العوائد شبه الصفرية، بدأت المدخرات اليابانية، التي تتجاوز كوادريليون ين (ما يعادل 6.2 تريليون دولار)، في تحقيق عوائد ملموسة. وقد أعلنت البنوك الثلاثة الكبرى في اليابان بالفعل عن رفع أسعار الفائدة على الودائع العادية إلى 0.4% من 0.3% اعتبارًا من 3 أغسطس. وبحسب ناؤوكي هاتوري، كبير الاقتصاديين في ميزوهو للأبحاث والتكنولوجيا، فإن سعر فائدة البنك المركزي البالغ 1% سيزيد الدخل السنوي من الفوائد بنحو 700 مليار ين للودائع العادية و800 مليار ين للودائع لأجل، مع تركز المكاسب لدى الأسر الأكبر سناً التي تمتلك عادةً أرصدة ادخارية كبيرة وديوناً قليلة نسبياً.
كما تعد البنوك اليابانية من أكبر المستفيدين من دورة التشديد النقدي الجارية منذ مارس 2024. فقد ارتفعت الأرباح التشغيلية الأساسية للبنوك الإقليمية المدرجة بنحو 64% في السنة المالية 2025 مقارنة بعامين سابقين، وفقًا لجمعية البنوك الإقليمية اليابانية، وذلك بفضل الفارق بين ما تجنيه من قروض العملاء وما تدفعه من فوائد على الودائع.
لكن هذه المكاسب لا تخلو من تعقيدات. فالبنوك قد تواجه صعوبة في تمرير تكاليف الاقتراض المرتفعة إلى العملاء الذين يعانون بالفعل من ارتفاع نفقات المعيشة. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تشتد المنافسة على الودائع، مما سيجبرها على تقديم أسعار فائدة أعلى للمدخرين ويضغط بدوره على هوامش الأرباح. وقد يحمل هذا التحول في طياته تفاوتاً بين البنوك القوية والضعيفة. وحسب هيديو أوشيما، كبير الاقتصاديين في معهد أبحاث اليابان، «قد تواجه بعض البنوك صعوبة في التفاوض على أسعار إقراض أعلى مع العملاء، بينما قد يؤدي رفع الأسعار بقوة إلى زيادة مخاطر الائتمان». كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يمثل خطرًا على محافظ استثمارات البنوك، حيث تنخفض القيمة السوقية للسندات القائمة التي تحتفظ بها البنوك مع ارتفاع أسعار الفائدة، مما قد يؤدي إلى خسائر غير محققة.
المتضررون من التغيير
على الجانب الآخر، يواجه أصحاب القروض العقارية ضغوطًا متزايدة. فوفقًا لوزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل والسياحة، يرتبط أكثر من 80% من حاملي الرهون العقارية في اليابان بقروض ذات أسعار فائدة متغيرة مرتبطة بسعر فائدة البنك المركزي. ونتيجة لذلك، سيرتفع متوسط سعر الرهن العقاري المتغير الذي تقدمه البنوك الرئيسية الثلاثة، والذي تجاوز 1% في أبريل لأول مرة منذ 15 عاماً، حيث كان حوالي 0.4% قبل مارس 2024، ومن المتوقع أن يرتفع بنسبة 0.25 نقطة مئوية أخرى حوالي أكتوبر.
وعلى الرغم من حماية بعض المقترضين على المدى القريب بـ «قاعدة السنوات الخمس» التي تنص على إعادة حساب الأقساط الشهرية كل خمس سنوات، فإن أصحاب القروض التي اقترب موعد مراجعتها قد يشهدون قفزات حادة. فمثلاً، قد يرتفع القسط الشهري لقرض عقاري بقيمة 50 مليون ين لمدة 35 عاماً بأكثر من 20 ألف ين ليصل إلى حوالي 147 ألف ين، وفقًا لحسابات تاكاشي شيووزاوا من شركة MFS Inc. ويقدر هاتوري أن ارتفاع أقساط الرهن العقاري والقروض الأخرى سيكلف الأسر اليابانية نحو 500 مليار ين سنويًا.
كذلك، تواجه الشركات «الزومبي»، وهي الشركات ذات الربحية الضعيفة والميزانيات الهشة التي اعتمدت لسنوات على التمويل الرخيص للغاية، تهديدًا وجوديًا. ومع ارتفاع تكاليف الاقتراض، يلتهم جزء أكبر من دخلها مدفوعات الفائدة، مما يزيد من صعوبة بقائها. تقدر شركة طوكيو شوكو للأبحاث وجود 559 ألف شركة زومبي في السنة المالية 2024، تشكل 15.2% من جميع الشركات اليابانية، وهي أعلى نسبة منذ جائحة كوفيد-19. ويرى العديد من الاقتصاديين أن هذا التطهير، رغم كونه مؤلمًا على المدى القصير، مفيد للاقتصاد على المدى الطويل من خلال تحرير العمالة ورأس المال للشركات الأكثر إنتاجية.
أما المقترضون الاستهلاكيون، وخاصة من يستخدمون بطاقات الائتمان للدين المتجدد والقروض الشخصية، فسيشعرون بتأثير ارتفاع الفوائد. ورغم أن التأثير كان محدودًا حتى الآن مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة، إلا أن معدل التخلف عن سداد بطاقات الائتمان في اليابان ارتفع في عام 2025 إلى 3.36%، مما يشير إلى بداية ظهور ضغوط مالية.
وتواجه الحكومة اليابانية، برئاسة سناء تاكايتشي، تحديًا متزايدًا بسبب عبء الدين الهائل الذي يتجاوز ضعف حجم الاقتصاد. فمع ارتفاع أسعار الفائدة، تزداد تكاليف خدمة الدين الحكومي تدريجيًا. وقد رفعت وزارة المالية سعر الفائدة الافتراضي الذي تستخدمه لتقدير تكاليف خدمة الدين إلى 3% للسنة المالية الحالية، من 2% قبل عام. ومن المتوقع أن تتجاوز هذه التكاليف 31 تريليون ين (192 مليار دولار) هذا العام، مما يمثل حوالي ربع الميزانية السنوية، وقد ترتفع إلى حوالي 40 تريليون ين في غضون ثلاث سنوات، مما سيقلل من المساحة المالية المتاحة لتمويل أولويات أخرى مثل التحفيز الاقتصادي والسياسة الصناعية والدفاع.
حتى البنك المركزي نفسه قد يظهر كخاسر غير متوقع من حملته لتطبيع السياسة النقدية. فمع ارتفاع أسعار الفائدة، يجب على البنك المركزي دفع المزيد من الفوائد على أرصدة الاحتياطيات للبنوك التجارية لديه. وقد تتجاوز هذه المدفوعات في النهاية الدخل الذي يجنيه البنك المركزي من السندات الحكومية التي يمتلكها، رغم أنه من غير المرجح أن يؤثر هذا الانخفاض في القيمة على ميزانيته لأنه يتوقع الاحتفاظ بمعظم السندات حتى تاريخ استحقاقها.
في الختام، تدخل اليابان مرحلة اقتصادية جديدة بكل ما تحمله من فرص وتحديات. يتطلب هذا التحول تكيفًا واسع النطاق من جميع القطاعات، ومن شأنه أن يعيد تشكيل المشهد المالي للبلاد لسنوات قادمة، منهياً بذلك حقبة اقتصادية فريدة ومستشرفًا آفاقًا لم تُعرف منذ عقود.



