خَثْرَمَةُ* القِيَمِ في سُوقِ الآدمية (من سلسلة "هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


في تأملاتٍ عميقةٍ حول أثر الرأسمالية في الإنسان ومنظومة القيم، تتقاطع رؤى عدد من كبار المفكرين والأدباء في رسم صورةٍ لعالمٍ تتبدّل فيه المعايير، وتختلط فيه الأولويات.
يُنسَب إلى أنطونيو غرامشي قولٌ يعبّر عن هذا الأمر وهو أن الإنسان الحقيقي يدفع ثمنًا باهظًا في زمن الرأسمالية، حيث تغدو الإنسانية نفسها عبئًا في مجتمعٍ تحكمه المصالح. ففي مثل هذا الواقع، يخشى كثيرون الجهر بالحقيقة، ويتردّدون في مخالفة السائد، لا بدافع المحافظة أو التدين، بل لأنهم يتمسكون بقيمهم الإنسانية الصادقة. في المقابل، تُمنح المكانة لمن يمارس القسوة، ويُحتفى بالمكر على أنه ذكاء، بينما يُهمَّش الفقير المتواضع، وإن كان غنيًّا بالحكمة والصدق. هكذا يصبح الاستهلاك غاية، فيما يتراجع التفكير والنقد إلى الهامش.
في السياق ذاته، تُنسَب إلى كارل ماركس رؤيةٌ تؤكد أن هيمنة النظام الرأسمالي لا تقتصر على الاقتصاد، بل تمتد إلى تحويل الأخلاق والمعتقدات والقيم الاعتبارية إلى سلعٍ قابلة للبيع والشراء، فتخضع لمنطق السوق بدل أن تستند إلى المبادئ.
أما دوستويفسكي، فقد صاغ تحذيرًا بالغ الدلالة، إذ يُنسَب إليه القول: "سيصل العالم إلى زمن يُمنع فيه الأذكياء من التفكير حتى لا يسيئوا إلى الحمقى". وهي عبارة تختزل الخشية من زمنٍ يُحاصَر فيه العقل الحر، ويُنظر إلى التفكير النقدي بوصفه مصدر إزعاج لا ضرورة حضارية.
بصرف النظر عن دقة نسبة هذه الأقوال إلى أصحابها، فإنها تثير أسئلةً جوهرية حول واقع الإنسان المعاصر، ومكانة القيم في عالمٍ تتسارع التحولات، وتغدو فيه الإنسانية، في كثير من الأحيان، في مواجهةٍ صعبة مع منطق المنفعة والمصلحة.
* الخثرمة: تخثّر الشيء اختلط رقيقه بغليظه، ففقد قوامه الأصيل، وتُطلق مجازًا على اختلاط الأمور وفسادها.




