اليوان الصيني يشعل خلافًا تجاريًا بين بكين والاتحاد الأوروبي

تحوّل سعر صرف اليوان الصيني إلى إحدى أبرز نقاط الخلاف التجاري بين الصين والاتحاد الأوروبي، إذ يرى عدد من صناع القرار والاقتصاديين الأوروبيين أن العملة الصينية لا تزال أقل من قيمتها الحقيقية، وهو ما يمنح الصادرات الصينية ميزة تنافسية ويعمّق العجز التجاري الأوروبي مع بكين، وفقًا لـ بلومبيرغ.
وبحسب بلومبيرغ، بلغ متوسط العجز التجاري اليومي للاتحاد الأوروبي مع الصين نحو 1.1 مليار دولار خلال حزيران/يونيو، في وقت يزداد فيه الضغط على الصناعات الأوروبية نتيجة تدفق المنتجات الصينية منخفضة التكلفة.
هل اليوان أقل من قيمته الحقيقية؟
رغم ارتفاع اليوان أمام اليورو بنحو 9% خلال الاثني عشر شهرًا الماضية حتى أواخر تموز/يوليو، فإنه لا يزال بعيدًا عن أعلى مستوياته التي سجلها عام 2015، الأمر الذي دفع أصواتًا أوروبية إلى المطالبة بالسماح بارتفاع قيمته بنسبة تتراوح بين 20% و30% بهدف تقليص الفجوة التجارية وتحسين قدرة الشركات الأوروبية على المنافسة.
إلا أن تحديد القيمة "العادلة" لليوان لا يحظى بإجماع بين الخبراء.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن سعر الصرف الفعلي الحقيقي لليوان كان أقل من قيمته بنسبة تراوح بين 12% و20% خلال عام 2025. كما رأى مسؤول الخزانة الأميركية السابق براد سيتسر أن العملة قد تكون مقومة بأقل من قيمتها بأكثر من 20%، بينما قدّرت مؤسسات مثل دويتشه بنك وغولدمان ساكس وبنك أوف أميركا هذا الفارق بما بين 10% و20% باستخدام نماذج مختلفة، وفقًا لـ بلومبيرغ.
في المقابل، يرفض العديد من الاقتصاديين الصينيين هذه التقديرات، معتبرين أن نماذج التقييم تبالغ في تأثير الفائض التجاري ولا تأخذ في الاعتبار بصورة كافية عوامل أخرى، مثل تدفقات رؤوس الأموال، التي تؤثر في سعر الصرف.
كيف تدير الصين سعر صرف اليوان؟
تعتمد الصين نظام "التعويم المُدار"، الذي يسمح للسلطات بالتدخل في حركة العملة عند الحاجة.
ويحدد بنك الشعب الصيني سعرًا مرجعيًا يوميًا لليوان، ثم يسمح له بالتحرك ضمن هامش يبلغ 2% صعودًا أو هبوطًا، مع تأكيده أن الهدف هو الحفاظ على استقرار العملة والحد من التقلبات.
وتملك السلطات الصينية عدة أدوات للتأثير في سعر الصرف، من بينها تعديل احتياطيات العملات الأجنبية التي تحتفظ بها البنوك، أو تدخل البنوك الحكومية عبر شراء الدولار لإضعاف اليوان أو بيع الدولار لدعمه.
ولجأ البنك المركزي إلى دعم العملة خلال فترات تراجعها في عامي 2022 و2023، قبل أن يتراجع عن بعض إجراءات الدعم مطلع عام 2026 بعد تحسن قيمة اليوان.
لكن هذه الآليات، ولا سيما الأقل شفافية، دفعت بعض الدول إلى اتهام بكين بالإبقاء على عملتها منخفضة عمدًا لدعم صادراتها، وهو ما ينفيه البنك المركزي الصيني، مؤكدًا أن السوق يبقى العامل الأساسي في تحديد سعر الصرف.
لماذا يقلق الاتحاد الأوروبي؟
يشير اقتصاديون ومسؤولون أوروبيون إلى أن انخفاض قيمة اليوان يجعل المنتجات الصينية أرخص في الأسواق الخارجية، في حين تصبح الواردات إلى الصين أكثر كلفة، ما يعزز الفائض التجاري الصيني.
وأوضحت بلومبيرغ أن الصادرات أصبحت أحد أهم محركات النمو الاقتصادي في الصين، بينما بلغ الفائض التجاري الصيني مع الاتحاد الأوروبي مستوى قياسيًا وصل إلى 32.9 مليار دولار خلال حزيران، وفق بيانات الجمارك الصينية.
وتُعد ألمانيا صاحبة أكبر عجز تجاري مع الصين داخل الاتحاد الأوروبي، إذ بلغ نحو 95 مليار يورو (نحو 108.5 مليارات دولار) خلال العام الماضي، في وقت تواجه فيه الصناعات الألمانية، وخاصة شركات صناعة السيارات، منافسة متزايدة من المنتجات الصينية.
كما ساهمت جائحة كوفيد-19 في اتساع الفائض التجاري الصيني، بعدما ارتفع الطلب الأوروبي على السلع الصينية خلال فترات الإغلاق والعمل عن بُعد.
وفي السنوات الأخيرة، دفعت الرسوم الجمركية الأميركية الشركات الصينية إلى تحويل جزء أكبر من صادراتها نحو أوروبا وجنوب شرق آسيا، بينما بقيت الواردات الصينية شبه مستقرة، ما أدى إلى زيادة اختلال الميزان التجاري مع الاتحاد الأوروبي.
ويزيد هذا الواقع الضغوط على الشركات الأوروبية، التي تواجه منافسة قوية داخل أسواقها المحلية، إضافة إلى صعوبة توسيع مبيعاتها في السوق الصينية، ومنافسة متزايدة من الشركات الصينية في الأسواق العالمية.




