فجوة التمويل تهدد توسع الشركات الناشئة السويسرية رغم ازدهار الابتكار

اختارت كلارا ليبسيوس وشريكها المؤسس بن تشين تطوير شركتهما الناشئة في سويسرا بدلاً من الولايات المتحدة، في خطوة تخالف توجهاً متزايداً بين مؤسسي الشركات الأوروبية نحو الأسواق الأميركية بحثاً عن تمويل أكبر، إلا أن تجربتهما تسلط الضوء على عقبة رئيسية تواجه قطاع الشركات الناشئة في سويسرا وأوروبا تتمثل في نقص رأس المال اللازم للتوسع، وفق «بلومبيرغ»، السبت.
وبعد تخرجها في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ (ETH Zurich)، انتقلت ليبسيوس إلى جامعة هارفارد لإعداد أطروحتها، حيث تعاونت مع خريج آخر من المعهد على تأسيس شركة «Aluere»، التي توظف التكنولوجيا في قياس تغذية الرضع وتحسينها.
وعاد المؤسسان لاحقاً إلى زيورخ لتطوير المشروع، بدلاً من الاستقرار في بوسطن أو وادي السيليكون، رغم توافر مصادر تمويل أوسع للشركات الناشئة في الولايات المتحدة.
وقالت ليبسيوس إن بيئة الأعمال الأميركية تقوم على مبدأ «أسرع وأبعد وأعلى»، لكنها رأت في ذلك دافعاً للعودة إلى أوروبا، حيث تعتبر أن الشركات قد تكون أقل سرعة وصخباً، لكنها أكثر دقة في عملها، بحسب «بلومبيرغ».
رأس المال العقبة الأساسية
وتشير تجربة «Aluere» إلى استمرار قدرة أوروبا على استقطاب رواد الأعمال في القطاعات المبتكرة، إلا أن تحويل الشركات الناشئة إلى مؤسسات مستدامة وكبيرة الحجم يواجه تحديات عدة، أبرزها التمويل، وهو ما يدفع بعض المؤسسين إلى الانتقال إلى الولايات المتحدة للاستفادة من أسواقها العامة والخاصة الأكبر.
وقال أشوين لالندران، المؤسس المشارك لمنظمة «IndustriousAF» غير الربحية، إن الفجوة الأساسية تكمن في رأس المال وإن المشكلة «هيكلية وليست ثقافية»، مضيفاً أنه لا يمكن بناء شركة متقدمة في مجال الذكاء الاصطناعي بالاعتماد على جولات تمويل بحجم السوق السويسرية.
ولا تقتصر مشكلة التمويل على سويسرا، إذ تواجه الشركات الناشئة في مختلف أنحاء أوروبا أسواقاً مجزأة ونظاماً لرأس المال المغامر لا يوفر التمويل الكافي لتوسيع الشركات إلى مستويات قادرة على المنافسة عالمياً.
وكان تقرير أعده الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي في 2024 قد حذر من حلقة مفرغة تدفع الشركات الأوروبية مرتفعة النمو إلى المغادرة، ما يقلص عدد المشروعات الجاذبة للمستثمرين ويحد بدوره من تطور أسواق رأس المال الأوروبية.
كما وصف تقرير صادر عن الجامعة التقنية في الدنمارك منظومة رأس المال المغامر الأوروبية بأنها «دون المستوى المطلوب»، في إشارة إلى محدودية قدرتها على تمويل الشركات خلال مراحل النمو والتوسع.
الشركات الأميركية تستحوذ على التكنولوجيا الأوروبية
وتظهر بيانات «Dealroom» حجم الفجوة، إذ هيمنت شركات أميركية، من بينها «ميتا» و«أبل»، على عمليات الاستحواذ الكبرى على شركات التكنولوجيا العميقة الأوروبية، وهي الشركات القائمة على ابتكارات علمية وتقنية متقدمة.
ومن حيث قيمة الصفقات، كان المشتري أميركياً في تسع من أكبر عشر عمليات استحواذ على شركات التكنولوجيا العميقة الأوروبية بين عامي 2019 و2025، فيما كانت الصفقة المتبقية من نصيب شركة يابانية متخصصة في التكنولوجيا الطبية.
وبلغت قيمة استحواذات الشركات الأميركية على شركات التكنولوجيا العميقة الأوروبية نحو 23 مليار دولار بين عامي 2019 و2025، وفق بيانات «Dealroom» التي أوردتها «بلومبيرغ».
ومنذ 2015، أدرجت أربع شركات فقط في بورصات أوروبية من أصل 22 شركة أوروبية للتكنولوجيا العميقة مدعومة برأس المال المغامر، طرحت أسهمها للاكتتاب العام بتقييم تجاوز 500 مليون دولار.
ETH يتحول إلى مصنع للشركات الناشئة
وفي المقابل، يعمل المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ على تعزيز بيئة ريادة الأعمال والاستفادة من قوته البحثية في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات.
وأنتج المعهد، الذي تأسس عام 1855 ودرس فيه ألبرت أينشتاين، شركات منبثقة في مجال التكنولوجيا العميقة منذ عام 2022 أكثر من أي مؤسسة أوروبية أخرى للتعليم العالي، وفق بيانات «Dealroom»، فيما وصلت قيمة خمس من هذه الشركات إلى أكثر من مليار دولار لكل منها.
ومن بين المبادرات التي أطلقها المعهد إنشاء «Student Project House» داخل محطة كهرباء سابقة، حيث يوفر للطلاب طابعات ثلاثية الأبعاد وأحدث نماذج الذكاء الاصطناعي مجاناً، إلى جانب مساحات للعمل على أكثر من 600 مشروع قائم حالياً.
ويتعاون المعهد أيضاً مع نحو 12 من خريجيه الذين أصبحوا رواد أعمال ناجحين، بهدف نقل خبراتهم إلى الطلاب وتشجيع تأسيس شركات جديدة.
تحدي التوسع
ورغم نجاح المعهد في توليد شركات جديدة، تبقى قدرتها على التحول إلى شركات عالمية كبيرة مرتبطة بتوافر التمويل.
وقال لالندران إن عدد شركات الذكاء الاصطناعي السويسرية التي تتجاوز قيمتها مليار دولار سيظل قريباً من الصفر ما لم ترتفع مساهمة رأس المال المغامر السويسري والأوروبي في تمويل هذه الشركات بصورة ملموسة.
من جانبه، قال فرانك فلوسيل، رئيس ريادة الأعمال في المعهد، إن المؤسسة استفادت من أبحاثها في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، لكنه شدد على أن تحقيق النجاح على نطاق واسع يحتاج إلى رأس المال وإلى تحرك من صانعي السياسات.
وأضاف أن تأسيس الشركات وتنميتها يجب أن يصبحا «أسهل ما يمكن»، موضحاً أن مؤسسي الشركات الناشئة يتخذون قراراتهم بناءً على الجدوى الاقتصادية، وأن الولايات المتحدة تتمتع بميزة تتمثل في سوق كبيرة تخضع لإطار تنظيمي موحد، ما يجعلها سريعاً خياراً جذاباً للشركات الساعية إلى التوسع.




