سرقة الزعماء وليلة الدُخلة (سلسلة هنا وهناك | بقلم وليد حسين الخطيب)


من هنا، حيث يخرج الزعيم على الناس خطيبًا مفوّهًا، متخمًا بالوعود، رشيقَ اللسان، ثقيلَ الجيب...
ومن هناك، حيث المستشفيات بلا دواء، والمدارس بلا اهتمام، والطرقات بلا إسفلت، والناس بلا أمل...
سياسة الزعماء عندنا بسيطة إلى حدّ الوقاحة: لا وقت لأوجاع الناس، ولا شغف بالصحة أو التعليم أو الخبز أو الكرامة... فهذه تفاصيل ثانوية لا تدخل في جدول أعمالهم. فالجدول الحقيقي مزدحم بالصفقات، والمحاصصات، وتقاسم الغنائم، وضمان البقاء أطول وقت ممكن فوق صدورنا.
كل مرفق في الدولة شاهد عدل… لكنه أبكم. الكهرباء عتمة منظّمة، الماء عطش رسمي، الاتصالات انقطاع مدفوع الثمن، والإدارة العامة متحف حيّ للفساد والمحسوبيات والزبائنية والرشوة...
لا شيء يعمل كما يجب، لأن كل شيء يعمل لهم كما يجب، حيث إن الزعيم لا يرى المواطن إلا في موسمين: موسم الانتخابات، وموسم التصفيق.
في الأول، يوزّع الوعود كما تُوزّع المناديل في الأعراس لمسح العرق، وفي الثاني، يطالبك بالتصفيق لأنه «حماك» من الذي سرقك قبله.
والزعماء لا يريدون موت الناس، لا حبًّا بالحياة بل حبًّا بالخدمة. فالناخب الميت لا ينتخب – وإن كان الأمر حصل في هذا البلد العجيبة - والجائع الحيّ ينتظر، والمحتاج يصوّت، وفاقد الأمل المؤدلَج يُستثمر فيه سياسيًّا...
نحن نعرف أن الزعماء يسرقوننا، كما نعرف تمامًا ما يفعله العريس ليلة دخلته… نعرف، ونحن متأكّدون، لكننا – للأسف – لا نملك الدليل.
فهم يسرقون بالقانون، ويقونون النهب، ويغسلون الأموال بالصيغ الدستورية، ولا يتركون بصماتهم… إلا على أعصابنا.
من هنا السخرية الموجعة: الدولة فاشلة، لكن سرقة الدولة ناجحة جدًّا. البلد ينهار، لكن حساباتهم تنتعش. نحن نغرق، وهم يتجادلون أي قارب يركبون أولًا.
ومن هناك، نسأل بسخرية سوداء: كيف لبلدٍ أن يُدار بهذا الكم من الذكاء في السرقة، وبهذا القدر من الغباء في الخدمة؟
الجواب معروف… فكلنا نعرف ما يفعل العريس ليلة دخلته، ولكن لا أحد منّا عنده دليل على ذلك!
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.




