"اللي اختشوا ماتوا" (سلسلة "من هنا وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


الحياء زينة الأخلاق والنفوس، فهو جُنّة لمن يتحلّى به من الوقوع في الخطأ والزلل، فلا يُلبِس الحقّ بالباطل، ولا يقول إلّا صوابا.
والحياء يعصم صاحبه من كلّ قبيح ومن كل عيب. وفي مصر مثل شائع يقول: "اللي اختشوا ماتوا". أمّا قصّة هذا المثل بحسب ما ورد في الموروث الشعبي المصري، فهو أنّ امرأتين كانتا تغتسلان وإذا بالنار تشتعل في المكان وتحيط بهما، فخرجت إحداهما وهي تركض عارية، أمّا الأخرى فاستحت أن تخرج من دون ثياب وبقيت في مكانها، فاحترقت وماتت. ومنذ ذلك الوقت، اشتُهِر هذا القول في حقّ من لا يستحي.
فمن الناس من تجده حييًّا، ومنهم من تجده صلفًا لا يقيم وزنًا للحياء ولا يعرف منه سوى اسمه، وقد لا، وقديمًا قال الشاعر:
يعيش المرء ما استحيا بخير/ ويبقى العودُ ما بقيَ اللحاءُ
ما الذي دعاني إلى كتابة هذه المقالة؟
لقد رأيت من زعماء وسياسيين في لبنان ما هو منكرٌ ومستهجَن، حيث كنت في جنازة، فرأيتهم يشاركون في الدفن، ويصطفون مع أهل الفقيد يتلقّون العزاء كأنّ الميت ميتهم، ورأيت منهم الوقار والتأثّر والإيمان والخضوع... واحترام الأموات فلا يدوسون القبور ولا يقفون عليها، فالأمر محرّم إنسانيًّا ودينيًّا ووطنيًّا وأمميًّا...
إذا أبى الإنسان لزوم الحياء، فما من شيء يردعه عن فعل الموبقات كلّها، وكل إنسان يُجازى بما اقترفت يداه، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فمثله. لقد ذكر أبو زكريا يحيى بن شرف النووي: "أن قانون الشرع في معنى الحياء لا يحتاج إلى اكتساب ونيّة فينبغي حمل الحديث على هذا المعنى".
تركت المكان، والدهشة تتملّكني وتعقد لساني ممّا رأيت! كيف يستقيم عند إنسان واحد الشيء وضده؟! كيف يمكن أن يكون شتاء وصيف تحت سقف واحد؟! كيف يُعقَل أن يدوس الزعماء والسياسيون أجساد الأحياء وكراماتهم وحيواتهم ويطأون رقابهم بنعالهم، ويرون أن دوسَهم أمواتًا لا يجوز في الأعراف والقوانين والشرائع؟!
الحياء سمة تدلّ على ما في نفس كل إنسان من خير وتواضع وصدق وأدب. فإذا كنتَ امرأً حييًّا يتمنّع عن فعل ما هو مشين ويتجنّبه، فاعلم أنّك من الذي يتحلّون بمكارم الأخلاق، أمّا "إذا لم تستحِ، فاصنع ما شئت".
ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.




