Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

ضريبة على الهواء… والاختناق مجّانًا! (سلسلة "هنا وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)

وليد حسين الخطيب
19 فبراير 2026 في 10:39 م
قرارات حكومية ومعاناة اللبنانيين من الضرائب - سنيب

من هنا… من طوابير البنزين الممتدّة كأنها بلا نهاية، ومن هناك… من جلسات القرار المكيّفة حيث تُصاغ الضرائب كما تُصاغ النكات السمجة، يولد السؤال اللبناني الأبدي: كيف يمكن ضريبة أن «لا تشمل الفقراء» بينما يدفعها الفقراء وحدهم؟

آخر الابتكارات الرسمية: زيادة نحو أربعة دولارات على صفيحة البنزين، وواحد في المئة على ضريبة القيمة المضافة. والطمأنة جاهزة: هذه الضريبة لا تطاول المواطنين، بل «التجار». يا لروعة الاكتشاف الاقتصادي! كأنّ التاجر كائن أسطوري وأخلاقه عالية يعيش على كوكب آخر، لا يبيع للناس، ولا يضيف قرشًا على السعر حين تزيد عليه الكلفة. كأنّ السوق في لبنان تقرأ الأخلاق قبل الأرقام.

في كتب الاقتصاد، من ثروة الأمم إلى نظريات جون ماينارد كينز، ثم إلى تجارب لبنان اليومية، ثمّة حقيقة بسيطة: الضريبة حين تُفرض في بيئة رقابية رخوة، تتحول كرة نار تتدحرج نزولًا حتى تستقر في جيب المستهلك. أما عندنا، فالمعادلة أكثر بساطة: إذا عطس التاجر، أصيب السعر بالزكام.

ومن هنا… ندخل إلى مسرح الزحمة. زحمة السير في لبنان ليست عارضًا مروريًا، بل سياسة عامة غير مكتوبة. ساعات طويلة من الوقوف على قارعة الانتظار، محرّكات تلتهم الوقود، وأعصاب تُستهلك بلا تعويض. الدولة لا تحتاج إلى فرض ضريبة جديدة؛ يكفي أن تتركك عالقًا ساعتين يوميًّا لتدفع ضريبة غير مباشرة على البنزين، والصحة، والعمر. كأنّ الاختناق المروري بندٌ خفي في الموازنة.

النكتة الموجعة أن من يصرّح بأن الضريبة «لن تمسّ الفقراء» يعرف أن الفقر في هذا البلد لا يحتاج إلى من يمسّه؛ هو يمشي على قدميه إلى كل قرار. الفقير يدفع حين يملأ خزان سيارته، ويدفع حين يشتري حاجاته، ويدفع حين تتأكّل قيمة راتبه. أما كبار المتمولين، والمعتدون على الأملاك العامة، ومَن تُسوّى أوضاعهم بتسوية… فهؤلاء يعيشون في طبقة ضريبية اسمها «لا تقلقوا، نحن بخير».

ومن هناك… من خطابات «الإصلاح»، نسمع لازمة قديمة: «لا بد من إجراءات موجعة». نعم، موجعة فعلًا، لكن السؤال الدائم: لماذا الألم دائمًا في الجهة نفسها من الجسد الوطني؟ لماذا لا يُجرَّب مرة أن يُطلب من الأقوياء أن يتحمّلوا نصيبهم، لا من باب العقاب، بل من باب العدالة؟

السياسة عندنا تشبه مسرحية سوداء: يخرج الممثل ليؤكد أن المطر لا يبلّل أحدًا، بينما الجمهور يغرق حتى الركبتين. نضحك لأن البديل هو البكاء، ونسخر لأن الحقيقة أثقل من أن تُحمل بلا سخرية.

من هنا… يدفع الناس.

ومن هناك… تُتخذ القرارات.

وبين هنا وهناك، تضيع المصلحة العامة، وتبقى الضريبة الوحيدة الثابتة: ضريبة الثقة المفقودة.

ضريبة على الهواء… والاختناق مجّانًا! (سلسلة "هنا وهناك" ب... | Ektisadi.com | Ektisadi.com