نوّاب لبنان في موسم الوعود القصيرة

مع اقتراب الاستحقاق النيابي، إن حصلت الانتخابات فعلاً، يدخل البلد في موسم بات مألوفاً حدّ السخرية؛ موسم الحماسة المفرطة والوعود المتدفّقة والابتسامات العريضة التي لا تنطفئ إلا مع إقفال صناديق الاقتراع. فجأةً، يستيقظ النواب والمرشّحون من سباتهم الطويل، ويكتشفون أن في البلاد فقراء ومودعين مكسوري الخاطر وشباباً عاطلين من العمل وقرىً بلا خدمات ومدناً تختنق بأزماتها وبلداً بأكمله مستباح السيادة والأجواء.
تتحوّل الأحياء الشعبية إلى محجٍّ يومي للمرشحين؛ المصافحات الحارّة والصور مع كبار السن والجولات في الأسواق والوعود بتحسين الكهرباء والمياه والتعهّد بإعادة الودائع المنهوبة وانتشال الدولة من قعر الفساد. الكلّ يتحدّث لغة الناس ويتبنّى وجعهم ويتقن فنّ مخاطبة الغضب العام. في موسم الترشّح، لا صوت يعلو فوق صوت "الإنقاذ" و"التغيير" و"محاربة الفاسدين"، حتى لو كان بعض رافعي هذه الشعارات شركاء في السلطة نفسها التي ينتقدونها، وعادة ما يلعبون دور الانفصام أكاد على طاولة مجلس الوزراء أو تقسيم الأدوار بين نائب ووزير.
تشتدّ المنافسة، فتعلو المزايدات الشعبوية. هذا يزايد على ذاك في الدفاع عن حقوق الموظفين، وآخر يتقدّم خطوة في المطالبة بزيادة الرواتب أو خفض الضرائب، وثالث يتعهّد بقوانين إصلاحية "فورية" يعرف قبل غيره أنها ستبقى حبراً على ورق. تتضخّم الخطابات وتُختزل السياسة إلى شعارات جذّابة تصلح لمنشورات وسائل التواصل أكثر مما تصلح لخطط إنقاذ حقيقية.
أما المواطن، فيقف حائراً بين خيبة متكرّرة وأملٍ لا يموت. يعرف أن التجربة علّمته الكثير وأن الوعود السابقة لم تُترجم أفعالاً، لكنّه في الوقت نفسه يتعلّق بأي بصيص تحسّن في بلد يتآكل اقتصاده وتنهار ليرته وتتراجع خدماته الأساسية. تتدهور القدرة الشرائية وتزداد نسب الفقر ويغادر الشباب بحثاً عن فرصة خارج الحدود، فيما الخطاب الانتخابي الفارغ يعدهم بغدٍ مختلف.
وما إن تنتهي الانتخابات حتى يخفت الضجيج؛ تختفي الجولات الميدانية وتقلّ اللقاءات المفتوحة وتتحوّل الهواتف التي كانت متاحة للجميع إلى خطوطٍ مشغولة دائماً. يعود بعض النواب إلى مقاعدهم الوثيرة في البرلمان وينخرطون في حسابات التحالفات وتقاسم النفوذ، فيما تُرحَّل القضايا المعيشية إلى لجان واجتماعات لا تنتهي.
دائماً ما تتكرّر الدورة نفسها؛ حماسة قبل الاقتراع وفتور بعده. وعود بالإنقاذ ثم إدارة للأزمة بدل حلّها. وبين جولة انتخابية وأُخرى، يبقى المواطن وحيداً في مواجهة تضخّم الأسعار وتردّي الخدمات وانعدام الأفق الاقتصادي. لا يكفي أن يُستدعى صوته كل أربع سنوات، فيما حياته اليومية تتراجع كل يوم.
المشكلة ليست في الانتخابات بحدّ ذاتها، بل في ثقافة سياسية تعتبر الناخب رقماً في صندوق لا شريكاً في القرار والمحاسبة. ما لم تتحوّل العلاقة بين النائب وناخبيه إلى علاقة مساءلة دائمة لا موسمية، سيبقى المشهد على حاله: موسم وعود صاخب يعقبه صمت ثقيل.
وفي نهاية المطاف، السؤال ليس كم مرشّحاً يجول في الشوارع اليوم، بل كم نائباً سيبقى فيها غداً، حين تنطفئ الكاميرات ويعود الناس إلى همومهم اليومية. هناك فقط يُقاس صدق التمثيل وتبدأ السياسة الحقيقية.




