الأضحى في لبنان... حين يصبح العيد صلاةً لأجل البقاء

في كل عام، يحمل عيد الأضحى معاني التضحية والإيمان والتكافل، لكنه في لبنان هذا العام يأتي مثقلاً بصورة وطنٍ أنهكته الأزمات، وأرهقته الحروب والانقسامات، فيما يقف أبناء الجنوب اللبناني في مواجهة عدوان متواصل، خلّف شهداء ودماراً وقرىً خالية وقلقاً يومياً على المصير.
العيد الذي يُفترض أن يكون مساحة فرح وطمأنينة، يتحول لدى كثير من العائلات الجنوبية إلى مناسبة تختلط فيها التكبيرات بأصوات القصف، وتجاور فيها موائد العيد صور المنازل المهدمة والحقول المحروقة وذكريات النزوح القسري. ومع ذلك، يبقى اللبنانيون، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم، متمسكين بفكرة الحياة، وبأن الأعياد وُجدت لتذكّر الإنسان بقدرته على الصمود مهما اشتدت المحن.
يحمل عيد الأضحى في جوهره رسالة تتجاوز البعد الديني إلى معنى إنساني عميق يقوم على الرحمة والتضامن والتشارك. وفي بلد متعب كلبنان، تبدو هذه القيم حاجة وطنية ملحّة، لا مجرد شعائر موسمية. فالجوع لا يفرّق بين طائفة وأخرى، والخوف من الحرب لا يسأل عن الانتماء، والكرامة الإنسانية تبقى واحدة مهما تعددت الهويات السياسية أو الدينية.
وفي الجنوب تحديداً، حيث يعيش الناس تحت وطأة الاعتداءات والتهجير والاحتلال والقلق الدائم، يصبح العيد مناسبة للتشبث بالأرض والذاكرة والبيت. هناك، لا تُقاس الأعياد بزينة الشوارع أو وفرة الموائد، بل بعودة طفل إلى منزله، أو نجاة عائلة من قصف، أو بقاء شجرة زيتون واقفة في وجه النار.
ورغم الانقسام السياسي الذي يطبع الحياة اللبنانية، فإن الأعياد الكبرى تبقى فرصة نادرة لاستعادة المعنى الحقيقي للوطن؛ وطن لا يقوم على الغلبة أو التحريض أو الاستثمار في الدم، بل على الشراكة الإنسانية والاعتراف المتبادل بالألم والأمل معاً. فلبنان الذي عرف الحروب والاحتلالات والانهيارات، لا يزال قادراً على إنتاج الحياة كلما تمسك أبناؤه بلغة التعاطف بدلاً من الكراهية.
عيد الأضحى هذا العام ليس مجرد مناسبة دينية عابرة، بل دعوة مفتوحة إلى التمسك بما تبقى من روح هذا البلد. هو عيد لأمهات ينتظرن أبناءهن، ولمزارعين يخشون خسارة مواسمهم، ولعائلات تحاول حماية أطفالها من الخوف، ولشعب يبحث منذ سنوات عن بصيص استقرار.
وفي زمن تتكاثر فيه صور الموت والخراب، قد تكون أعظم معاني العيد في لبنان اليوم هي أن يبقى الناس قادرين على الأمل، وعلى حماية إنسانيتهم، وعلى الإيمان بأن هذه الأرض تستحق الحياة مهما اشتدت العواصف.




