Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

الوطن... عندما يصبح حقيبة سفر (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)

وليد حسين الخطيب
31 يوليو 2026 | 04:25 ص
مسافر مع حقيبة سفر بانتظار رحلته في المطار

ثمّة أوطان لا تطرد أبناءها عند الحدود، بل تطردهم كل صباح وهم يرتشفون قهوتهم، وكل مساء وهم يعدّون خسائرهم. لا يحتاج المواطن فيها إلى تأشيرة خروج، فالإحباط نفسه يؤدّي المهمة على أكمل وجه.

يقال أن الوطن حضن، لكن ماذا لو تحوّل هذا الحضن إلى غرفة انتظار طويلة، لا يُسمع فيها إلا صدى الوعود المؤجلة؟ وماذا لو صار الحلم الوحيد لشاب أن يجد مكانًا يحلم فيه؟ عندئذٍ، يصبح الرحيل مشروع حياة، لا نزوة عابرة.

إنّ أشد أنواع الغربة ليس أن تعيش بعيدًا من وطنك، بل أن تعيش في وطنك غريبًا، تمشي في شوارعه ولا تجد لك مكانًا في مستقبله، تحفظ أسماء الأزقة، لكنك لا تحفظ اسمًا واحدًا لأملٍ لم يُغادر. وقد وردت في هذا الشأن مقولة مهمّة تعبّر عن هذا المعنى وهي: "الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن".

الوطن ليس سجنًا، لكنه قد يتحول إلى سجن حين تُصبح الكرامة امتيازًا، والحرية تهمة، والاعتراض خروجًا عن الصف، والصمت فضيلة وطنية. عندئذٍ، لا يعود السؤال لماذا يهاجر الناس؟ بل يصبح السؤال الأكثر إيلامًا لماذا بقي بعضهم؟

ومع ذلك، يبقى للوطن قدرة غريبة على الاحتفاظ بمكانه في القلب. نحبه رغم قسوته، ونشتاق إليه حتى وهو يخذلنا، ونغفر له ما لا نغفره لأحد، لأن الأوطان ليست فنادق نغادرها عندما تسوء الخدمة، بل جزء من نفوسنا، حتى عندما تُثقلها الندوب.

إن الوطن الحقيقي لا يُقاس بمساحة الأرض، بل بمساحة الكرامة التي يمنحها لأبنائه، ولا بعدد الأناشيد التي تُردَّد باسمه، ولا بعدد الأغاني الوطنية – وما أكثرها في بلاد العرب، خصوصًا لبنان - التي يغنّيها كل مَن أراد أن يدغدغ مشاعر الجماهير، بل بعدد الأحلام التي يسمح لها أن تكبر من دون خوف.

أما الوطن الذي تتحول فيه الأحلام إلى جنازات صامتة، فلا يحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى وقفة صادقة مع نفسه. فالوطن الذي يصبح مقبرةً للأحلام، لن يدهشه أن يرى أبناءه يحملون حقائب السفر أكثر مما يحملون حقائب المدارس... ثم يتساءل، بكل براءة، لماذا يرحلون؟!











ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.