Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

جريمة النزاهة في زمن الفساد (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)

وليد حسين الخطيب
14 أغسطس 2026 | 01:19 ص
صورة رجل أعمال فاسد تدل عليه أصابع الاتهام ونخبة أموال ومصالح - سنيب

في بعض البلاد، لا يحتاج الفساد إلى أن يختبئ… فقد أصبح له مكتب رسمي، وختم، وربما سيارة ذات زجاج داكن! ولم يعد الفساد حالة طارئة يمكن علاجها ببعض المسكنات الإدارية، بل صار جزءًا من تركيب الدولة نفسها؛ عظمًا في هيكلها، ودمًا في شرايينها، حتى أن محاولة اقتلاعه قد تبدو كأنك تحاول تغيير هيكل عظمي من دون أن تمسّ الجسد!

لهذا، حين تُعلن الحرب على الفساد، تبدأ المسرحية بالموظف الصغير. يُقبض عليه، تُنشر صورته، وتعلو الأصوات بالتصفيق: «ها قد انتصرنا!» وكأننا اكتشفنا أن البحر مالح لأن سمكة صغيرة سرقت ملعقة ملح. أما الحيتان، فتجلس في الصف الأول، تراقب المشهد، وتصفق بحرارة!

المشكلة أن الفساد لا يعيش منفردًا. إنه شبكة مصالح؛ إذا سقط أحد خيوطها، خشي الآخرون أن تنكشف الشبكة كلها. لذلك، يحمي الفاسدُ الفاسدَ، ليس وفاءً، بل خوفًا على نفسه. وكلما اشتدّت العقوبات، ارتفع سعر الرشوة؛ فالمراقب الذي يفترض أن يصطاد اللص صار يحسبها كتاجر: «كم تساوي مخاطرة الصمت؟» وهكذا تتحول الرقابة من عين للدولة إلى بورصة سريّة للأسعار!

أما النزاهة، فتغدو في هذه البيئة سلوكًا مريبًا يحتاج إلى تفسير. الموظف الذي لا يقبل الرشوة يُنظر إليه كأنه يسيء إلى زملائه، والمواطن الذي يرفض دفعها يصبح «معقّدًا»، ومن يفضح السارق قد يُتهم بأنه يهدد الاستقرار!

وهنا تظهر وظيفة المجتمع في الجريمة. يُترك الناس يركضون خلف لقمة العيش، ويُغرقون في تفاهات الشاشات، بينما تُسرق أعمارهم قبل أموالهم. والأسوأ أن بعضهم يرى اللص «شاطرًا»، والمحتال «حربوقًا»، والنزيه «غبيًّا لا يعرف كيف يعيش»!

ثم تأتي النخبة لتضع مساحيق التجميل على وجه العفن. أكاديمي يبرّر، ومثقف يلمّع، ورجل أعمال يستثمر في الثغرات، ومسؤول يشرح للناس أن ما يرونه فسادًا ليس سوى «مرونة إدارية»!

وحين يظهر مصلح حقيقي، تبدأ عملية اصطياده: تشويه، تخويف، إغراء، ثم منصب محترم وامتياز محترم أكثر. فإذا استسلم، صار من رجال الإصلاح، وإذا رفض، صار خطرًا على الاستقرار!

وهكذا يصبح أخطر أعداء الفساد هو النزاهة نفسها. فالمشكلة ليست أن الفساد قوي، بل أن له أعوانًا في كل مكان، وأن كثيرين تعلّموا العيش في مستنقعه حتى صار الخروج منه مؤلمًا.

بالتالي، لا يكون السؤال: «من سرق؟»، بل يكون كيف أصبحت النزاهة… جريمة؟