اللي ما عنده كبير… بظلّ صغير! (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


"اللي ما عنده كبير يشتري كبير". سمعت من شخص مهتمّ بأن هذا المثل الشائع خطأ، والأصل في اللفظ هو "اللي ما عنده كبير يستشير كبير". لكن، بعد البحث والتدقيق، لم أجد دليلًا على أن هذا هو المثل الصحيح. وقد كان التبرير فيه، أننا كيف نشتري الكبير، وهو كبير بمكانته وخبرته وحكمته، لا بماله؟ الكبير الحقيقي لا يُباع ولا يُشترى، بل يُحترم ويُستشار ويُستفاد من تجاربه.
وأصل المثل حكاية قديمة تتحدّث عن ملك شاب أراد أن يجعل مملكته فتية، فأصدر قرارًا بإعدام كل من تجاوز السبعين من العمر، بحجة أنه أصبح عبئًا على المجتمع، يأكل ويشرب ويمرض من دون أن ينتج! وهكذا راح جنوده ينفذون أوامره، فيما نجح شاب في إخفاء والده المسنّ، وأبقاه بعيدًا من أعين الجنود، يستشيره في شؤون حياته ومشكلاتها.
وبعد مدة، اجتاحت المملكة عاصفة عاتية استمرّت أربعين يومًا، وعطّلت أعمال الناس. لكن الملك أصرّ على إجبارهم على العمل، كي لا يعتادوا الكسل والبطالة. وكان الشاب يخرج إلى الحقول للحصاد، ولم يكن في استطاعته أن يحصد شيئًا وسط العاصفة. وعندما شكا الأمر إلى والده، أشار عليه بحيلة ذكية، مستندًا إلى قانون يسمح للعامل بأن يأكل من الثمار التي يجنيها حتى يشبع. فما دام الشاب يحصد في الريح، فليأكل من الهواء!
أخذ الشاب بالنصيحة، وحين سأله مراقبو العمال عن فعله، احتجّ بالقانون. وصل الخبر إلى الملك، فاستدعاه وسأله كيف عرف بهذا القانون، وهو في مقتبل العمر. وبعد إلحاح، كشف الشاب سرّه، وروى له قصة والده الذي أخفى وجوده، وظل يستشيره في شؤون الحياة.
عندذاك، أدرك الملك خطأه، وقال: "اللي ما عنده كبير يشتري كبير".
قد تكون الحكاية من الموروث الشعبي، لكن حكمتها تتجاوز حدود الزمان والمكان. فالكبار ليسوا أرقامًا في سجلات الأعمار، ولا عبئًا ينبغي التخلص منه، بل ذاكرة وتجربة وخلاصة سنوات من التعلم والخطأ والصواب. وقد تختصر نصيحة واحدة من أب أو أم أو جدّ سنوات من التخبط والخسائر.
ولعل كثيرًا من أزماتنا الاجتماعية اليوم، من العنف الأسري إلى التفكك والانفصال، تحتاج إلى وقفة تأمل في غياب الحكمة والحوار والمرجعية العائلية المتزنة. فليس كل كبير حكيمًا، ولا كل شاب متهورًا، لكن الخبرة حين تقترن بالمحبة والحكمة تصبح سندًا لا غنى عنه.
والمشكلة أننا لم نعد نملك كبيرًا في كثير من بيوتاتنا، إما لأننا صغّرنا كبارنا، أو لأن بعض كبارنا صغّروا أنفسهم، واستقالوا من دورهم في الإصلاح والتوجيه.
وهكذا، لا نخسر كبيرًا حين يغيب جسده فحسب، بل نخسر معه ذاكرة وتجربة وبوصلة. فالذي لا يجد كبيرًا يستشيره، قد يضطر إلى أن يتعلم وحده، لكن بعد فوات الأوان. واللي ما عنده كبير… بظل صغير!
أما في خصوص الذين يقولون أن الأصح في المثل هو "اللي ما عنده كبير يستشير كبير"، فإننا لا ننكر عليهم تفكيرهم الذي قد يكون قريبًا إلى المنطق، ولكن نوضح لهم أنّ شراء الكبير لا يكون بالمعنى الحرفي للشراء المادي، بل يعني الاهتمام، والبحث، والتقدير، حيث إن الإنسان إذا أراد أن يشتري من الشيء أجوده يبحث عنه كثيرًا ليجده لأنه مهتم بأمر شرائه. من هنا، يُضرَب هذا المثل في الشخص أو العائلة التي تفتقد وجود شخص حكيم أو متقدم في السن (كبير) ترجع إليه في وقت الأزمات والمشكلات ليفصل بين أفرادها بحكمته.




