أكل البيضة والتقشيرة… من إيمان أندراوس إلى وقاحة هذا الزمان! (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)


"أكل البيضة والتقشيرة" مثل شعبي لبناني شائع، نردّده عندما نريد وصف شخص يستولي على كل شيء، فلا يُبقي وراءه أخضر ولا يابسًا، كأنه لم يترك لغيره حتى القشور! لكن، هل سألنا يومًا عن حكاية هذه العبارة، ومن أين جاءت؟
ثمّة حكاية شعبية تقول أن راهبًا شابًّا اسمه أندراوس، حديث العهد بحياة الرهبنة، وجد صعوبة في الالتزام بالصوم، الذي يمتنع فيه المسيحيون عن تناول اللحوم والمشتقات الحيوانية وفق تقاليدهم. ومنهم من يتطوّع بالامتناع عن أطعمة يحبها أيضًا، وهو ما يُسمَّى "الإماتة".
ضعف أندراوس أمام شهيته، فسلق بيضة وأكلها في حديقة الدير، بعيدًا من أعين الرهبان. لكن أحد إخوته لمحَه، وسارع إلى إبلاغ الرئيس: "يا بونا، خيي أندراوس عم ياكل بيض بوقت الصوم"!
استدعى الرئيس الراهب الشاب وعاتبه، إلا أن الخوف دفع أندراوس إلى الإنكار. عندذاك، كلّف الرئيس أحد الرهبان مراقبته، وطلب منه أن يأتيه بقشور البيض متى ضبطه متلبّسًا، لتكون دليلًا على مخالفته.
مرّت الأيام، وعاد أندراوس إلى فعلته. سلق بيضة، وجلس يأكلها في الحديقة، تحت الحائط، بعيدًا من الأنظار. وفجأة، لمح أحد الرهبان مقبلًا نحوه، فارتبك وخاف أن يُكشف أمره، ولم يجد حلًّا أسرع من ابتلاع البيضة مع قشرتها!
ركض الراهب إلى الرئيس وصاح: "يا أبونا، خيي أندراوس أكل البيضة والتقشيرة"!
من هنا، بحسب الحكاية المتداولة، شاع المثل الذي تجاوز قصته الأصلية، وصار يُقال في حق كل من يستأثر بكل شيء، ولا يترك لغيره شيئًا.
لكن المفارقة أن أندراوس، في قصته هذه، لم يفعل أكثر من أكل بيضة خِفية، خوفًا من مخالفة الصوم. أما اليوم، فثمّة من يأكل مال الوقف والحرام وحقوق الأيتام، بل يأكل لحم أخيه... ثم لا يختبئ تحت حائط، ولا يخشى عينًا تراقبه؛ بل يفعل ذلك على مرأى الناس، كأن الأمر من حقه، وعلى عينك يا تاجر!
يا أندراوس، كم كنت صغيرًا في خطيئتك، وكم يبدو بعض أبناء زماننا كبارًا في جشعهم! أنت خفت أكل بيضة، أما هؤلاء فلا يخشون أن يبتلعوا حقوق الناس وأرزاقهم ومستقبلهم.
لقد تغيّرت الأزمنة، يا أندراوس، ولم تعد المشكلة في من أكل البيضة والتقشيرة، بل في من أكل الدجاجة وما باضته، ثم طالب الناس بالتصفيق له!
فهل العيب في تغيّر الزمان، أم في نفوسٍ لم تعد تعرف من الخوف إلا الخوف على مصالحها؟




