Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

دبكة على التبانة… وجبهة على قياس غيرنا (سلسلة "من هنا... وهناك" لوليد الخطيب)

وليد حسين الخطيب
27 مارس 2026 | 04:35 ص
دبكة على التبانة… وجبهة على قياس غيرنا2

في هذا البلد الذي يتقن أهله العيش على حافّة الهاوية، لا شيء يفاجئ حقًّا… إلا أن يُصرّ فريق على دفعنا خطوة إضافية إلى الفراغ، كأنّ الهاوية لم تعد تكفي. لبنان، الذي بالكاد يلتقط أنفاسه من أزماته المتراكمة، يُجَرّ اليوم مرّة جديدة إلى حرب لا تشبهه، ولا تعنيه، ولا تعود عليه إلا بالموت والخراب...

هي الحكاية ذاتها، تتكرّر بوجوه مختلفة وخطاب واحد: "المساندة". كلمة تبدو في الوهلة الأولى نبيلة، لكنها في قاموس هذا الفريق تتحول إلى لعنة جماعية. أيّ مساندة هذه التي تُفرض على بلدٍ بكامله من دون أن يُستشار؟ وأيّ شرفٍ في حربٍ يدفع ثمنها الفقراء والمشرّدون وأصحاب البيوت المهدّمة، فيما القرار يُتَّخذ في مكان آخر، بعيد، بارد، لا تصله صرخات الأمهات ولا رائحة الموت؟

المفارقة الموجعة، حدّ السخرية، أن من يفتح الجبهات هنا، يفعل ذلك تلبيةً لنداءٍ يأتيه من آلاف الكيلومترات. هناك، حيث تُرسم السياسات وتُحدّد الأدوار، لا يبدو أن ثمّة من يقلق على مصير هذا البلد الصغير. لبنان، في نظرهم، مجرّد ساحة. ساحة تُستَخدم، لا وطن يُصان. وهنا تكمن الكارثة: أن يتحول بلدٌ بكامله إلى تفصيل في مشروعٍ أكبر منه، لا يرى فيه إلا وظيفة عابرة.

ولأن السخرية في لبنان ليست ترفًا بل وسيلة بقاء، نستعيد ما قاله الراحل الكبير زياد الرحباني ذات يوم: "الله يوفيك تعبك خيي سمير، بس مش أصول الفرقة عم تدبك ببيروت وأنت عم تدبك عالتبانة!". لكن يبدو أن القاعدة انقلبت. الفرقة تقاتل هناك، ونحن نُستدرج لنرقص هنا… على إيقاع القذائف. هم يخوضون معاركهم حيث يريدون، ونحن ندفع الثمن حيث نعيش.

يا سادة، إن كنتم مصرّين على "المساندة"، فلتكن على أصولها. الطريق إلى هناك مفتوح - أو هكذا يُفترض - اذهبوا حيث المعركة التي تؤمنون بها، قاتلوا حيث القضية التي تتبنّونها، واتركوا هذا البلد لأهله. لا تجعلوا من بيوتنا خطوط تماس، ولا من أولادنا وقودًا لصراعاتكم.

لبنان ليس حلبة تدريب، ولا صندوق بريد للرسائل الإقليمية، ولا خشبة مسرح لبطولات زائفة. هو وطنٌ، وإن كان هشًّا، فهو يستحق أن يُنقَذ، لا أن يُستنزف. لكن يبدو أن ثمّة مَن لا يرى في الوطن سوى فرصة… فرصة لإثبات الولاء، لا لحماية الأرض.

وحدها المأساة هنا، أنها لم تعد تثير الدهشة. صار الدمار مشهدًا مألوفًا، والنزوح خبرًا عاديًّا، والدم جزءًا من يومياتنا. ومع ذلك، يخرج من يحدّثنا عن "الكرامة" و"الواجب"، كأن الكرامة لا تُنتهك حين يُهجّر الناس، وكأن الواجب لا يبدأ بحماية الوطن قبل خوض حروب الآخرين.

قد لا نملك إلا أن نضحك… ضحكًا مُرًّا، يشبه البكاء. لأننا، ببساطة، ما زلنا نرى الفرقة تدبك في مكان، فيما يُطلب منا أن نُكمل العرض… على ركام بيوتنا.













ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.