Contact Us
Ektisadi.com
مقالات

"وظائف شاغرة" للعموم (سلسلة "من هنا... وهناك" بقلم وليد حسين الخطيب)

وليد حسين الخطيب
5 يونيو 2026 | 03:19 ص
صورة مقالة وظائف شاغرة للعموم لوليد حسين الخطيب - سنيب

قال ابن خلدون في مقدّمته: "إذا رأيت الناس تكثر الكلام المضحك وقت الكوارث، فاعلم أنّ الفقر قد أبقع عليهم وهم قوم بهم غفلة واستعباد ومهانة كمن يُساق للموت وهو مخمور". وهذا وقع لي منذ أيام، وأنا أتجوّل في أحد المتاجر الكبرى، أحمل في يدي سلّة صغيرة وأحاول أن أوفّق بين حاجات المنزل وما تبقّى في جيبي من نقود. وقد خطر في بالي، وأنا أعيش المشهد ذاته تقريبًا ولكن في سياق مختلف عمّا كتبته سابقًا في مقالة لي – بالعنوان نفسه والمضمون ذاته والأسلوب عينه - نُشرت في موقع آخر في العام 2021، ولم أعد أملك رابطها للأسف، كيف تتكرر التفاصيل في حياتنا وإن تغيّرت عناوينها.

فقد كنت أستمع إلى إذاعة محلية، ومن جملة ما سمعت فقرة تحت عنوان "وظائف شاغرة". وهي تنقل أقوال اللبنانيين المكتوبة في وسائل التواصل الاجتماعي أو المأخوذة من مقابلات معهم، ومن هذه الأقوال: "مطلوب خبير اقتصادي يشرح كيف يصبح الراتب أقلّ من ثمن حاجات أسبوع"، "مطلوب مواطن يستطيع دخول السوبرماركت والخروج منه من دون أزمة نفسية"، "مطلوب أب قادر على إقناع أولاده بأن بعض الأطعمة أصبحت من الكماليات"، "مطلوب موظف يتقاضى راتبه بالليرة ويعيش حياة طبيعية"... والأنكى من هذا كلّه، يعلّق أحد المواطنين على الإعلانات التي تتحدّث عن العروض والتنزيلات، فيقول: ما نفع التنزيلات إذا كانت الأسعار قد سبقتها إلى السماء؟ وكأنّ كلّ شيء في حياتنا في لبنان سويّ ومتوفّر من غذاء ودواء وماء وكهرباء... وإذا كنّا لا نستطيع تأمين أبسط متطلبات العيش، فكيف يمكن أن نفكّر في المستقبل أصلًا؟!

طبعًا، هذا كلّه قبل أن أصل إلى صندوق المحاسبة ويحين دوري، وقبل أن يسلّمني الموظف الفاتورة التي تجاوزت كلّ ما أحمله من مال. نظرتُ إلى المبلغ مرّة ومرّتين، ثم نظر إليّ الموظف بهدوء وقال: "يبدو أنّك ستضطر إلى إعادة بعض هذه الحاجات".

كان كلامه صفعة أعادتني إلى الواقع المرير، حاولت أن أتقبّلها من دون أن أشتم أو ألعن أو... وتذكّرت مقالة كتبتُها منذ سنوات ذيّلتها ببيتي شعر:

لبنان ساحٌ لأهل المال طيّـبة

وللمتاعيس دار العسر والضيقِ

تظلّ حيرانَ تمشي في أزقّته

تشابـه مصحفًا في بيت زنـديـقِ

كانت مناسبة الكلام في تلك المقالة، أنّ السائح في لبنان يعيش أميرًا، بينما العامل اللبناني يعيش ذليلًا، ولا أتكلّم هنا عن المال ولكن كنت أتكلّم عن نظرة المجتمع إلى الاثنين.

أمّا اليوم فما عاد عندنا سيّاح ولا عاملون ولا طبقة متوسّطة حتى، بعد أن تناوب السياسيون وأصحاب المصارف والمتنفّذون والزعماء... على اجتراح المعجزات في إذلالنا، وبعد أن تفنّنوا في نهب المواطنين وقبلهم الوطن ومقدراته وخيراته... وهذا نتيجة طبيعية لخيارات الشعب اللبناني الذي أوصل هذه الطبقة إلى ما هم عليه للتحكّم في العباد والبلاد. وهنا يصحّ قول الشاعر عمر أبو ريشة:

لا يُلامُ الذئب في عدوانِه

إن يكُ الراعي عدوَّ الغنمِ

وهنا أستبدل البيتين السابقين ببيتين آخرين يصفان الحال التي نعيشها:

لبنان دارٌ بأهل الـذلّ عامرةٌ

وبالمناكيد دار الهُونِ والضيقِ

تظلّ جوعانَ لا أكل ولا شربٌ

ولا تُجازى إلّا بـالخوازيقِ

من هذا المنطلق، ومن خلال الواقع المرير الذي نعيش، وبعد أن تخلّى المسؤولون عن مسؤولياتهم التي لم يتحمّلوها أصلًا، وعاثوا فسادًا في الوطن وقتلًا في الأرواح، أصبح بلدنا كلّه شاغرًا ممّن يهتمّ به ومن الضمائر والأخلاق ومن الإنسانية ومن الكرامة!...













ملاحظة: المقالات التي ينشرها "إقتصادي.كوم" هي دوماً على مسؤولية كتّابها بالكامل، ولا تعكس بالضرورة رأي الموقع.